انتخابات مصيرية تحدد الوجهة المستقبلية لسياسات المملكة المتحدة

يتطلّع البريطانيون، اليوم، إلى معرفة من سيحكم خامس أكبر اقتصاد في العالم، بعد أن أدلوا بـأصواتهم في انتخابات متقاربة ستتمخض عنها حكومة لن تحدّد فقط الاتجاه الاقتصادي لبريطانيا، بل أيضا ستحدّد مصير وحدة الممكلة المتّحدة مع تواصل رغبة الاسكنلنديين في الانفصال، ووجودها ضمن المفوضية الأوروبية، ودورها في المنظومة الدولية كقوة عظمى، وغير ذلك من التحدّيات، التي سيبقى بعضها ثابتا حتى لو تغيّرت الحكومة، وبعضها الآخر سيتحدّد مصيره بتحديد هوية ساكن "10 داوننغ ستريت" القادم.
الجمعة 2015/05/08
البريطانيون مقبلون على مشهد سياسي مليء بالمفاجآت

لندن- كتب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، في تدوينة على “فايسبوك”، “إن مستقبل بريطانيا في وضع صعب”، ورغم أن كاميرون كان يقصد الوضع الاقتصادي للمملكة المتحدة، إلا أن المحللين عمّموا تدوينته لوصف السياسة البريطانية ككلّ، بشقيها الداخلي والخارجي.

وبالمثل، أكّد المحلّلون على تصريح ثان لكاميرون، وصف فيه الانتخابات “بأهم انتخابات عامة خلال جيل”، فيما قال جين بارك، نائب رئيس مجلس العلاقات الدولية، إن “الانتخابات العامة ستحدد موقع بريطانيا في العالم بطريقة غير مسبوقة”.

وكتب المحلّل السياسي الأميركي جورج فيردمان عن الانتخابات البريطانية قائلا: إنها ستوضح توجه سياسة إنكلترا الخارجية القادمة؛ إما إلى التحالف مع أوروبا أو مزيد من التقارب مع أميركا.

وأغفل فريدمان ومحللون كثر الحديث عن علاقة بريطانيا والدول العربية، فيما بدا وكأنه إيمان بأن الشراكة البريطانية مع الحلفاء العرب بعيدة عن الجدال، ولن تشهد تغييرا مهما كانت نتيجة الانتخابات.

واعتبر فيردمان، مدير مركز ستراتفور، المعني بالشؤون الجيواستراتيجية والاستخباراتية الدولية، أن أهم نقطة في الانتخابات البريطانية هي موضوع استقلال إسكتلندا، مشيرا إلى أن الانتخابات البريطانية تجسيد مصغّر للحالة الأوروبية العامة.

دعم الشراكة مع العرب سياسة لا جدال فيها مهما كان توجه الحكومة البريطانية القادمة

وسواء فاز العمال أو المحافظون فإن الفرق سيكون بسيطا، لكن ذلك ليس بالنسبة إلى الجميع، فما يجعل هذه الانتخابات مهمة هو ما يحدث في إسكتلندا، حيث أن 45 بالمئة من الجماهير صوتت مؤخرا لصالح الانفصال عن المملكة المتحدة، وقد تم رفض هذا الأمر الذي اعتبر غريبا من جانب جميع المراقبين.

استقلال اسكتلندا

لا تبدو المكاسب التي سيحققها حزب الاستقلال كبيرة جدا، لكن جورج فريدمان، يؤكّد أن أي نتيجة قد يحقّقها الحزب يمكن أن تخلق بعدا جديدا للسياسات الإستراتيجية البريطانية، خاصة في ظلّ موجة الحركات الانفصالية المتصاعدة في أوروبا.

وكتب فريدمان في هذا السياق قائلا “أكثر الأصوات التي من المنتظر أن يتحصل عليها حزب الاستقلال مصدرها الناخبون المحافظون السابقون. وهو ما يعني أن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون قد يخسر الانتخابات. هذا لا يغير الموقف الاستراتيجي البريطاني، لكن حزب الاستقلال وأصوات الإسكتلنديين قد يؤديان إلى حدوث ذلك”.

ويؤيد المحلل الأميركي مايكل بارون هذا الرأي، مشيرا بدوره، في تحليل نشرته مؤسسة “أميركان انتربريز″، إلى أن المسألة الإسكتلندية قد تحسم الانتخابات البريطانية.

وبينت الاستطلاعات أن حزب العمال في إسكتلندا يتخلف بفوارق تنبئ بأنه سيخسر جل المقاعد الواحد والأربعين التي ربحوها في 2010. وذلك يعني أن حزب العمال سيكون في وضع يصعب عليه تجنّب تقدّم المحافظين في عدد المقاعد، لكن يمكن أن يحكموا بدعم من القوميين الإسكتلنديين.

الاستطلاعات بينت أن حزب العمال في إسكتلندا يتخلف بفوارق تنبئ بأنه سيخسر جل المقاعد الواحد والأربعين التي ربحوها في 2010

إلى حدود السبعينات من القرن العشرين كانت إسكتلندا تصوّت بشكل مشابه كثيرا لبقية المملكة المتحدة حيث تنقسم الأصوات بنسب متقاربة بين المحافظين والعمال، بيد أن تراجع الصناعات الثقيلة في إسكتلندا إضافة إلى السوق الحرة وسياسات رئيسة الورزاء مارغريت تاتشر المعادية للاتحادات العمالية في الحكومات التي ترأستها بين 1979 و1990 جعلت حزبها مكروها في إسكتلندا.

وفي سنة 1999 قرّر طوني بلير إحداث برلمان اسكتلندي منفصل يكون صاحب سلطة في الكثير من السياسات الداخلية (بما في ذلك القدرة على جمع الضرائب)، وقد خلق كل ذلك مسرحا استطاع فيه القوميون الإسكتلنديون متابعة هدف الاستقلال لإسكتلندا. وفي سنة 2011 فاز القوميون الإسكتلنديون بأغلبية في البرلمان الإسكتلندي ونجح زعيم الحزب القومي الإسكتلندي في تنظيم استفتاء في سبتمبر 2014، لكن فشل مشروع الاستقلال بفارق لا يتعدى عشر نقاط (55 مقابل 45 بالمئة)، فاستقال أليكس سلموند وعوضه متحدث أكثر جاذبية هو نيكولا ستورجن.

الهوية الأوروبية

تعد المملكة المتحدة دولة أوروبية، تنبثق هويتها الوطنية من اشتراك التاريخ واللغة والثقافة، لكن القومية الأوروبية تجمع وتفرق في وقت واحد، وفق جورج فريدمان، تجمع أولئك الذين يملكون موروثا مشتركا وتفرّق بشكل هادف ودون قصد أولئك المختلفين.

من هذا المنطلق تجسّد الانتخابات البريطانية الحالة الراهنة لأوروبا؛ فهناك تناقض كبير إزاء الاتحاد الأوروبي وصعود الأحزاب المناهضة للقيم الأوروبية وهي غير مؤهلة حاليا للحكم، لكنها لا تزال تؤثر على النظام (وهو ما أوضحه وعد كاميرون بإجراء استفتاء حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي).

ومن مظاهر التشابه بين المشهد في المملكة المتحدة والمشهد في بلدان أوروبية أخرى، أن الحركات القومية تشهد صعودا في بلدان كان يعتقد أن مسألة الجنسية فيها قد حسمت منذ قرون، مستمدة طاقتها من الأسئلة التي أثارتها الحركات الأخرى لتصبح قوية بشكل غير متوقع.

الاقتصاد وانفصال اسكتلندا والوحدة الأوروبية والتحالف مع أميركا توجهات تحددها هوية الفائز في الانتخابات

ويرصد فريدمان أنه، أيضا، لأول مرة تكون الأحزاب السائدة، في بريطانيا، بغض النظر عن أيديولوجياتها الرسمية، أكثر أو أقل التزاما تجاه فكرة الاتحاد الأوروبي. وهناك أحزاب سياسية ناشئة ملتزمة بالاستقلال، على مستويين؛ هما عدم الاستجابة للقرارات التي تؤخذ في بروكسل (مقر منظمة الاتحاد الأوروبي) والحفاظ على أساس الهوية الوطنية. في النهاية، هذا الأساس يقوّض الوحدة في بريطانيا، وذلك لأن جزءا، كان يعتقد أنه لا يتجزأ، من المملكة المتحدة بدأت تغريه فكرة الاستقلال.

ويشير المحلل الأميركي إلى أن “وحدة” الهوية الوطنية جعلت قيام الإمبراطورية البريطانية ممكنا، لكن الإمبراطورية البريطانية انتهت منذ 50 عاما، وظهرت الحقيقة الضمنية لبريطانيا، وهي شبيهة بتلك التي ظهرت في دول أوروبية أخرى. فالمملكة المتحدة تتكون من شعوب عديدة، وقد حافظ الإسكتلنديون على وجه الخصوص على هويتهم الوطنية.

ويخلص فريدمان في تحليله إلى أن الانتخابات، مهما كانت نتيجتها والحصص التي ستحصل عليها الأحزاب في مجلس العموم المقبل، سوف تؤدي إلى بروز حزب الاستقلال البريطاني والحزب الوطني الإسكتلندي؛ لكن من الصعب على أحزاب التيار الرئيسي اتخاذ حزب الاستقلال والحزب الوطني الإسكتلندي على محمل الجد، فهما خارج إطار الثقافة الإستراتيجية البريطانية، لكنهما يملكان تحديا بخصوص إمكانية توفير أساس للثقافة الإستراتيجية البريطانية، ولا يمكن الإدعاء بعدم قدرتهما على تحقيق الفوز على المدى الطويل.

لقد كان من الصعب على روما الحفاظ على وحدتها بعد أن فقدت إمبراطوريتها، لكن بريطانيا لم تعش تلك الدراما التي بدأت عام 1945 بشكل كامل. والانحطاط الذي بدأ في أوروبا في عام 1918 وسقوط الإمبراطوريات الأوروبية الذي تواصل إلى غاية سقوط الاتحاد السوفييتي – ناهيك عن الآثار المدمرة على الدول القومية الأوروبية- لم ينته بعد.

اقرأ أيضا:

انتخابات حاسمة ستحدد وضع بريطانيا في أوروبا والعالم

بريطانيا تحبس أنفاسها انتظارا لحكومتها الجديدة

7