انتخابات 2011 وتجربة الترويكا القاسية على تونس

الثلاثاء 2014/08/12

يوم 26 أكتوبر 2014، يخوض الشعب التونسي تجربته الانتخابيّة الثانية بعد تجربة 23 أكتوبر 2011. ثلاث سنوات من المحن والفشل والمتاعب الاقتصاديّة والانحرافات الأمنيّة والتراجعات الحضاريّة والجدب الوطني عانتها تونس جرّاء نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 الماضية. فتونس التي كان شعبها مزهوّا بثورته متفاخرا بها كان يجهل حجم التحدّيات والمخاطر الإقليميّة والدوليّة المحيقة به بسبب فقدان حكّامه الجدد للرؤى الاستراتيجيّة.

بإرادة من الأطراف التي أفرزتها انتخابات 23 أكتوبر ذات الأجندات الموالية للخارج، لم تترك الفرصة كاملة للشعب التونسي حتى يقرّر مصيره بحريّة وإرادة واطمئنان. وإنّما استغلّ أعداء الحريّة والديمقراطيّة والحضارة والفنّ من منتسبي الأيديولوجيا الرجعيّة الهشاشة النفسيّة والاجتماعيّة التي كان عليها شعب مفقّر خارج لتوّه من تحت أكثر من نصف قرن من الاستبداد. فتاجروا في مشاعره. وتاجروا في فقره وحرمانه من التنمية العادلة ومصادر العيش الكريم.

ومن علامات هذه المتاجرة أن انبنت الحملات الانتخابيّة على محورين متعارضين مع أبسط شروط الديمقراطية، الأوّل التوظيف السمج السافر الانتهازي للدين باحتكاره واحتكار بيوت الله وتسخيرها للدعاية الانتخابيّة، واحتكار التكلّم باسم الدين الذي أدّى إلى إباحة الإفتاء لمن هبّ ودبّ، وانتشار ظاهرة التكفير والتحريم والاستثمار في إخافة الناس على دينهم وإثارة حميّتهم عليه والتحريض على الخصوم السياسيين من منطلق ديني. والثاني اللعب الفاضح على ورقة الفقر، فكانت الحملة تدار عبر عطايا وهبات عينيّة من موادّ غذائيّة ونقود ووعود كثيرة بأن تتحوّل هذه العيّنات من الهبات إلى سيول إذا قبل الموهوب له أن يصوّت لصالح الواهب.

مع هذه الممارسات المتعارضة مع شروط التنافس الديمقراطي المدني في الانتخابات، ظهرت الوعود الانتخابيّة المضخمة التي كانت تفتقر إلى أبسط الشروط المنهجيّة للدراسة العلميّة، التي كان يفترض أن تقوم على معطيات دقيقة تحيط بطبيعة الثروات الوطنيّة وبالعوامل الإقليمية والدولية، وبحجم المشاكل الاقتصاديّة، وبالخصوصيات الجهوية وبالمعطيات الديمغرافية المتحولة سريعا. ومع أن هذه الوعود الانتخابية كانت تفتقر إلى الموضوعية والتحكيم والمنطق، فلقد صدقها الناس بحكم نجاح الحملات الانتخابية المغالطة وبمساندة بروباغندا إعلامية كاسحة من قبل مؤسسات إعلامية حزبية، وبتوظيف لا أخلاقي للمساجد، وباختراق كل القوانين والأعراف الانتخابيّة.

من الوعود الانتخابية الزائفة التي أوصلت أصحابها للفوز في الانتخابات الماضية قبل ثلاث سنوات نذكر وعد حركة النهضة بتشغيل نصف مليون عاطل عن العمل فتضاعف عدد العاطلين وتفاقمت أزمتهم. ومنها وعد حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، حزب الرئيس المؤقّت منصف المرزوقي، بتشغيل 300 ألف تونسي في ليبيا، فكانت النتيجة أن هرب من كان من التونسيين مقيما في ليبيا عائدا إلى تونس وهرب معه أكثر من مليوني ليبي للإقامة في تونس. ومن هذه الوعود ما وعد به حزب العريضة الشعبية، الذي يترأّسه الهاشمي الحامدي المقيم في لندن، من مجانية الصحة والتنقل وضمان منحة مالية قارة ومحترمة للعاطلين وجعل ثمن الخبز والمواد الأساسية رمزيا، وكانت النتيجة أن الارتفاع الجنوني للأسعار لم يتوقّف، ولم يتراجع تدهور الخدمات، وزاد تدنّي المقدرة الشرائيّة للمواطن التونسي إلى الحضيض.

لقد فازت هذه الأحزاب الثلاثة في الانتخابات الماضية ولم تحقّق وعودها. بل إنها زادت في تعفين الوضع الاقتصادي، وأفسدت ما كان بين التونسيين من وحدة وتضامن وزرعت بينهم ما لا يمكن إصلاحه بيسر من تقسيم على الهوية وتعميق للخلاف وإفساد للوفاقات الوطنية وتعطيل للمشاريع التنموية التي كانت تنتظرها جماهير الناخبين الحالمين بالكرامة والأمن والعدالة الاجتماعيّة والتقدّم والديمقراطيّة.

لقد عجزت هذه الأحزاب عن تحقيق وعودها الانتخابية التي قطعتها للشعب التونسي. وعوض أن تعترف بعجزها وتعتذر عنه، أصرت على سلوك التبرير واتهام الآخرين بالتعطيل. فلا أحد منها تحمل مسؤوليته وكان في حجم الثقة التي منحها إياه الشعب. لقد تلاعبوا بالشعب وكذبوا عليه وفشلوا في قيادته. ولم تكن لهم الجرأة على مصارحته. وانقطعوا عنه مأخوذين بفتنة السلطة. فاستكانوا لأبهة الدولة يتمتّعون بها وتركوا الشعب أعزل أمام الفقر والبطالة ينهش اليأس أحلامه ويتطاول الإرهاب التكفيري على نخبه بتشجيع كامل من حزبين في الترويكا سليلي انتخابات 23 أكتوبر. فلأول مرة يرى شعب من الشعوب دولته تساند أعداءه! حصل هذا مع الشعب التونسي الذي يرى من انتخبهم ليحموه ويشغلوه ويؤمنوا له كرامته، رآهم ينحرفون بل يخونون مؤتمنيهم ويفاجئونهم بوضع اليد مع أعداء الجمهورية وأعداء الديمقراطية من التكفيريين الذين يستبيحون دم التونسيين.

لقد مرّ الكذب الانتخابي بلا محاسبة. قد يغتفر سلوك الكذب الاجتماعي لكن الكذب الانتخابي لا يغتفر، لأن وراءه مسؤولية سياسية كان رهانها الحكم. فالكذب أثر في نتائج الانتخابات ومنح مستعمليه السلطة. وكانوا على وعي بخطورة ما أتوه. ولذلك عملوا على تأمين أنفسهم من المحاسبة عبر كل محطات الحوار الوطني، حتى إنهم وصلوا إلى المساومة بين ترك السلطة مقابل عدم فتح ملفات حكومتي الترويكا ومؤسسات حكمها الأخرى. وحتى بسقوط حكومة علي لعريض، فإن الترويكا باعتبارها شكلا ثلاثيا للحكم مازالت قائمة. وحركة النهضة سلمت الحكومة، واحتفظت بنصيبها في الحكم وتأثيرها فيه عبر المجلس التأسيسي. ولذلك مازالت كل أبواب المحاسبة مغلقة.

تجربة مرة قاسية عاشها الشعب مع حكم الترويكا غير المتوازن. فلقد حكمت تونس من قبل ثلاث مؤسسات؛ رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ورئاسة المجلس التأسيسي. كان التونسيون يعاينون، بمرارة، التجاذب والتدافع والتنافر بين الرؤساء الثلاثة ومؤسسات الحكم الثلاث. وظهر بينهم كل شيء حتى المزايدات والملاسنات والمضايقات. وكثيرا ما أدانت رئاسة الجمهورية رئاسة الحكومة. ومرات كثيرة كشفت رئاسة الحكومة مغالطات رئاسة الجمهورية. وعلى هذه الشاكلة كان التونسيون يعاينون نتيجة ما فعلوه بأنفسهم بفعل الانتخابات.

عبر الانتخابات، منح التونسيون الحكم للترويكا. فجنت الأحزاب السلطة، وجنى الشعب التونسي الإرهاب التكفيري الظلامي وسواد الأفق الاجتماعي والعجز الاقتصادي. وكانت نتيجة ذلك العزوف الكبير عن التسجيل في الانتخابات القادمة بسبب فقدان الثقة في إمكانية التغيير عبر الانتخابات. هناك حالة من اليأس وانسداد الأفق عند الناس ترجمتها كانت عبر اللامبالاة بحملات الدعوة إلى التسجيل في القائمات الانتخابية. ولم يكن ذلك إلا نتيجة فشل الترويكا في الحفاظ على الحماس والتوق الشعبيين إلى الديمقراطية عند التونسيين.

تجربة حكم الترويكا بددت أحلام الشعب التونسي وحولتها إلى سراب وأهدرت اندفاعه الهادر وأجبرته على التقهقر والاستكانة إلى الخوف. ومع ذلك، لم تتوقف هذه الأحزاب عن هرسلة الشعب ولَيّ طموحاته إلى التبديل، فهي مازالت تقدم نفسها الحل لقيادة المرحلة القادمة. بل إنها ترى ألا أحد سيقاوم الإرهاب سواها، دون أن تسأل عمن زرعه بين ظهراني التونسيين؟


كاتب وباحث سياسي من تونس

8