انتخابات 2014: تفاؤل حذر حول مستقبل الوحدة الأوروبية

الثلاثاء 2014/05/06
اليمينة الفرنسية ماري لوبان وخلفها لافتة ضخمة كتب عليها شعار: «لا لبروكسل، نعم لفرنسا»

بروكسيل - يسلّط الباحث دونكان ماك دونال، الضوء على الشكوك المتصاعدة حول تنامي نزعة التشكيك في الاتحاد الأوروبي، ويكشف في تحليل، صدر عن معهد لندن للدراسات الاقتصادية والسياسية، تأثير هذه النزعة على التصويت الخاص باختيار الرئيس الجديد لبرلمان المفوّضية الأوروبية المأزومة محليا وإقليما ودوليا.

الأحزاب المشككة في أوروبا، من اليسار واليمين هل ستصبح قوة رئيسية في البرلمان الأوروبي وما آثارها على سياسة الاتحاد؟ هل سيكون لها دور قيادي في البرلمان وتعيين رئيس المفوضية؟ هل ستجعل الاتحاد خارج سيطرة الحكم؟ هل ستتمكن من الحصول على سياسة هجرة أكثر حزما، وتفكيك الأنظمة التي تحكم السوق الموحدة؟ أسئلة كثيرة تطرح اليوم على الساحتين الدولية والأوروبية تزامنا مع العدّ التنازلي لانتخابات البرلمان الأوروبي لسنة 2014، والتي يتوقّع مراقبون أن تتأثّر بشكل كبير بالأزمة الاقتصادية التي تأثّرت بدورها بالأزمة في أوكرانيا. وهذه الأخيرة لها تداعياتها السياسية أيضا على صورة الاتحاد الأوروبية في ما يخص التعامل مع أزمة حادة تخصّ إحدى دوله الأعضاء ذات البعد الاستراتيجي الهام.

تكتسي هـــذه الانتخابات أهميــة بالـــغة لأن الــبرلمان الأوروبي هو الهيئة الوحيـــدة في الاتحاد الأوروبي الـــذي يُنــتخب مباشــرة.

فصلاحياته توسعت منذ العام 1979، وهو التاريخ الذي تم فيه انتخاب أعضاء البرلمان الأوروبي للمرة الأولى بالاقتراع العام المباشر. واليوم، البرلمان لم يعد هيئة استشارية فقط، إنه مُشرع مشارك في حد ذاته مع مجلس الاتحاد الأوروبي، الذي يجمع ممثلي الدول الأعضاء في الاتحاد.

هذا يعني أن أعضاء البرلمان الأوروبي لهم رأي في القضايا الداخلية للسوق، والحريات المدنية، والحقوق الأساسية، وكلِ ما له علاقة بالأزمة الاقتصادية وكيفية إنفاق ميزانية الاتحاد الأوروبي من خلال الاستثمار في التنمية الإقليمية والبحوث والطاقة والنقل والبيئة وغير ذلك.

الآن، لماذا هذه المرة مختلفة إلى هذا الحد؟ لأن القواعد تغيرت منذ الانتخابات الأوروبية الأخيرة.

مرّت منطقة اليورو بفترة اقتصادية صعبة جدّا، لاتزال تداعياتها متواصلة إلى الآن، وهي تلقي بظلالها على الانتخابات المزمع إجراؤها بين 22 و25 مايو 2014 لانتخاب رئيس جديد للمفوضيّة الأوروبية. ورغم أن الدول الأوروبية، (داخل الاتحاد)، استجابت للركود الاقتصادي الكبير بمزيد من التقشف وضغط الإنفاق، فإن النتائج جاءت محبطة لمعظم الأوروبيين.

فنسبة البطالة بلغت مستويات قياسية، كما أن العديد من اقتصاديات الدول الأوروبية لم تبلغ التعافي بعد. والتشاؤم العام آخذ في الازدياد. لذلك يتوقّع المراقبون أن تأتي الانتخابات البرلمانية بنتائج تعكس ميول واتجاهات الأحزاب الشعبوية (اليمينية) القومية. وأغلب هذه الأحزاب، المتطرّفة في بعض الملفّات والقضايا، ضد التكامل الأوروبي.


ثورة أوروبا الشعبوية


في هذا السياق، يقول الباحث دونكان ماك دونال في تحليله للمشهد: “أعجبني سطر من مقالة نشرت في “نيورك تايمز″ للكاتبين فدريكو فينشلستاين وفابيان بزوريس جاء فيه “الكثير يخشون تعرض البرلمان الأوروبي لسيطرة الجناح اليميني الشعبوي إثر انتخابات مايو 2014″. بيد أن الكاتبين لا يخبراننا من هم “الكثير” وهو أمر قد يكون في صالح هؤلاء “الكثير” نظرا إلى أنه لا توجد أية إمكانية بالمرة لحدوث ذلك فعليا.

كما أنه على عكس زعم جون بالمر في صحيفة “الغارديان” لم تُحدث فترة ما بعد الأزمة الاقتصادية لسنة 2008 في أوروبا صعودا واضحا ومنتظما لليمين.

كما أنه ليس هناك جديد بصفة خاصة في أوروبا حول نجاح الأحزاب الشعبوية إذ ما فتئوا ينمون نصيبهم من عدد الأصوات على مدى العقدين الأخيرين.

ويتوقّع دونال أن تكون سنة 2014 بالفعل سنة “نجاح للمشكّكين في الاتحاد الأوروبي”، بما أن مجموع أصوات هؤلاء المشككين من المنتظر أن يبلغ أعلى مستوى له إلى حد الآن. بيد أن المسألة الجوهرية هنا تتمثل في “أننا نتكلم عن “مجموع الأصوات” وليس عن أصوات كتلة واحدة وموحدة”، فنزعة التشكيك في الاتحاد الأوروبي لا تعني صنفا إيديولوجيا متناغما أو عائلة حزبية واحدة بل تضم أحزابا ليست فقط من أقصى اليسار واليمين لكن أيضا أحزابا بيئية ومحافظة أغلبها غير مستعد لقبول فكرة الجلوس جنبا إلى جنب لمجرد تقاسم بعض الآراء المشكّكة في الاتحاد.

وبالفعل قد يكون تشكيك أحد الأحزاب شديد التباين مع تشكيك غيره، فالمصطلح يشمل تنوعا كبيرا لمواقف متضاربة حول أوروبا، من الأحزاب اليسارية التي تدين السياسات الأوروبية المؤيدة للسوق إلى تلك اليمينية التي تدين خسارة السيادة الوطنية، ومن الأحزاب التي تنتقد التوجه الأوروبي الحالي وتريد تغييره (لكنها تعتبر الاندماج فكرة جيدة بالأساس) إلى تلك التي ترفض الاندماج الأوروبي باعتباره مشروعا مدمرا تقوده نخبة ويجب التخلي عنه في أقرب وقت.

وإذا نجحت الأحزاب اليمينية مثل “حزب الاستقلال” في المملكة المتحدة، وحزب “الحرية” الهولندي، فقد يكون التأثير أكبر على الحكومات الوطنية في الحد من الهجرة وطرد الأجانب، وهنا سوف تتعالى الأصوات في عموم أوروبا بأن الحل يكمن في الشعبوية (أوروبا للأوروبيين) وليس في مزيد من التقشف الاقتصادي.

وغالبا فإن السياسيين في النظم الديمقراطية يخضعون، وبشكل طبيعي، للقضايا والسياسات التي تحظى بشعبية لدى الناخبين الذين اختاروهم.

ويتمثل عزاء محبي الاتحاد في أن المشككين حتى وإن أخذناهم كوحدة سيتحصلون على جزء فقط من مجموع الأصوات الممنوحة لتلك الأحزاب التي تواصل دعم الاتحاد الأوروبي والاندماج بين أعضائه.

لكن من المؤكد تقريبا، وفق ماك دونال، هو أن تكون كنائس كل من محبي الاتحاد الأوروبي ومشككيه الواسعة جدا والمقسمة أقل عددا من صنف آخر أقل إسماعا لصوته وهم الممتنعون، إذ تناقصت نسبة المشاركة في كل واحدة من الانتخابات للبرلمان الأوروبي منذ سنة 1979، حيث وصلت إلى أدنى مستوى لها سنة 2009 ولم تتجاوز 43 بالمئة. إن مدى هذه اللامبالاة – وليست نزعة التشكيك في الاتحاد أو الشعبوية أو الصعود المزعوم لجناح يميني جديد – يجب على الأقل في الوقت الراهن أن تثير حيرة أولئك الذين يعلنون إيمانهم بالاتحاد الأوروبي.

400 مليون مواطن أوروبي لهم حق اختيار 751 من أعضاء البرلمان أو النواب الأوروبيين لتمثيلهم للسنوات الخمس المقبلة


الدول السوفيتينية


الباحث ستيورات إم باتريك، مدير برنامج المؤسسات الدولية والحوكمة العالمية بـ”مجلس العلاقات الخارجية”، يحمّل في تحليل له حول “مستقبل الاتحاد الأوروبي وتداعيات القلق” جزءا كبيرا من الأزمة التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي إلى التوسع التدريجي في عضويته على مدى عدة سنوات. وهو التوسع الذي كانت تصاحبه على الدوام سجالات مستمرة حول تعميق البنية المؤسسية للاتحاد، وتعزيز التكامل بين أعضائه الذين وصل عددهم في الوقت الراهن إلى 28 دولة.

وهناك اعتقاد متنام حاليا مفاده أن التنوع والاختلافات بين تلك الدول، يعوقان بشكل ما إتمام عملية التكامل والاندماج بينها، وهو اعتقاد يتناقض مع ما كان سائدا عندما كان الاتحاد لا يزال مريحا يتكون من عدد محدود من دول أوروبا الغربية. والدول المنضمة حديثا إلى الاتحاد، وهي في غالبيتها دول انفصلت عن الهيمنة السوفيتية، تبدو غير متحمسة بشكل كافٍ للتخلي عن هويتها الوطنية والاندماج في هوية أوروبية أوسع نطاقا.

وفي رأي باتريك فإن الاتحاد الأوروبي -على الرغم من كل شيء – لن يتفكك في النهاية، وسوف يظل يمثل واحدة من التجارب الناجحة في التاريخ المعاصر.

7