انتخاب بوتين.. عودة الحرب الباردة

فلاديمير بوتين تعلم أن أفضل وسيلة للدفاع عن مصالح بلاده هي الهجوم. وبعد كل نجاح يتحقق عبر سياسة الهجوم لا يقوم بوتين بحصد نتائجه بكل بساطة، بل يتابع التصعيد ويرفض الانكفاء.
السبت 2018/04/07
مسار مغاير مع بوتين

جاءت إعادة انتخاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ظل علاقات شديدة التوتر مع الغرب، وخصوصاً بعد طرد العشرات من الدبلوماسيين الروس العاملين في الدول الغربية ردا على اتهام موسكو بتسميم الجاسوس الروسي سيرجي سكريبال في بريطانيا.

مع تصاعد التوتر الدبلوماسي من جهة، ومع تواجد قوات روسية وأميركية في سوريا من دون تنسيق سياسي وعسكري عالي المستوى (باستثناء التنسيق الخاص بمنع الصدام المباشر) من جهة أخرى، يمكن القول إن العلاقات الروسية الغربية التي قامت لفترة وجيزة على التعاون السياسي والاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة قد انتهت بصورة رسمية. بل وربما نكون قد دخلنا مرحلة الحرب الباردة من جديد.

بدأت ملامح هذه المرحلة بالظهور مع اندلاع الربيع العربي والموقف شديد التحفظ والمتشكك الذي اتخذته روسيا من دور الدول الغربية في تلك الأحداث. تطوّر الموقف الروسي من التحفظ إلى ردّة الفعل بدعم النظام السوري وعرقلة محاولات تطوير الضغوط الدولية على النظام لدفعه نحو إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية.

ولكن السياسة الخارجية الروسية والعلاقات مع الغرب اتخذت انعطافة حاسمة في أثناء الأزمة الأوكرانية في العام 2014. حدث ذلك مع بداية ولاية الرئيس فلاديمير بوتين الذي عاد إلى السلطة في العام 2012 ليواجه بقلق أحداث الإطاحة بحكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش في أوكرانيا عبر احتجاجات شعبية مفاجئة. أطاحت تلك الاحتجاجات بالحكومة الأوكرانية الموالية لموسكو في غضون أيام، وأقامت حكومة جديدة تناصبها العداء.

خلال الفترة التي تلت تفكك الاتحاد السوفييتي، تقبلت روسيا الهزائم الجيوسياسية التي لحقت بها في الحروب الداخلية والنزاعات التي جرت في الدول المجاورة. ويشمل ذلك حرب البوسنة وحرب كوسوفو، وما تلاهما من ثورات ملونة في بداية القرن الواحد والعشرين. كان الدور الروسي هامشيا ومنصاعا للتحولات التي عصفت بدول الاتحاد السوفييتي السابق. كما كان مسلّما بقوة الدور الغربي وقدرته على تقرير طبيعة وشكل التسويات السياسية الخاصة بتلك الأحداث.

ولكن، ومع بدء رئاسة فلاديمير بوتين في العام 2012، اتخذت السياسة الخارجية الروسية مسارا مغايرا تماما بدأ في سوريا وبلغ الذروة في أوكرانيا. قررت موسكو الرد على الإطاحة بالنظام المـوالي لها في أوكرانيا في العام 2014، فأطلقت حرب استنزاف ضد أوكرانيا بدعم ميليشيات انفصالية، وقامت لاحقا بضمّ شبه جزيرة القرم، وهو ما شكل نقطة تحول في علاقاتها مع الغرب.

من ركائز السياسة الروسية التي تحدد ملامح الحرب الباردة الجديدة هي الاهتمام لا بتوسيع النفوذ السياسي في مناطق مختلفة من العالم فحسب، بل العمل أيضا على خلق مناطق نفوذ سياسي وعسكري تساعدها على الهيمنة في محاكـاة للسياسات الإمبراطورية

قامت السياسة الغربية الخاصة بالتعامل مع روسيا منذ نهاية الحرب الباردة على فكرة توسيع قنوات التعاون الاقتصادي ودعم هيمنة اقتصاد السوق والاستثمار الأجنبي في البلد الخارج من الشيوعية. وكان التعويل بأن يؤدي ذلك إلى دفع العلاقات مع روسيا إلى مستوى مختلف عن ذلك الذي ساد خلال الحرب الباردة ويعطيه طابع الاستقرار والتعاون. وبالفعل توسع اقتصاد السوق واندمجت روسيا في السوق الأوروبية وتصاعد التعاون الاقتصادي بصورة كبيرة.

ولكن السياسة الهجومية التي أطلقها بوتين في العام 2012 أظهرت عجز هذا المستوى من التعاون الاقتصادي عن كبح المخيلة الإمبراطورية الروسية. فشلت العقوبات الاقتصادية الأوروبية والتهديد بالعزلة الاقتصادية في تغيير السلوك السياسي لروسيا.

تعلم فلاديمير بوتين أن أفضل وسيلة للدفاع عن مصالح بلاده هي الهجوم. وبعد كل نجاح يتحقق عبر سياسة الهجوم لا يقوم بوتين بحصد نتائجه بكل بساطة، بل يتابع التصعيد ويرفض الانكفاء. وبذلك قررت موسكو توسيع دورها في الحرب السورية بعد نجاح مغامرتها في أوكرانيا. بالتأكيد، ساهمت أسباب تتعلق بالوضع السوري وتفاصيله الداخلية في دفع روسيا إلى الساحة السورية ومنها اقتراب بشار الأسد من الانهيار. ولكنها وبدلا من استغلال تلك اللحظة للضغط على الأسـد والتوصل لتسوية سيـاسية تضمن لها حصـة مميزة في مستقبل البلاد، قررت الهجوم لتفاوض لاحقا من مـوقع المنتصر وهو ما تحقق اليوم.

نجح فلاديمير بوتين في تحسين صورة روسيا على الساحة العالمية بتحركاته المدروسة من جهة، وبطبيعة تلك التحركات والتي قامت على رفض المساومة السياسية من جهة أخرى. لم تكن تحركات موسكو تكتيكية تهدف إلى تحسين الموقف التفاوضي كما توقع كثيرون. بل كانت تحركات استراتيجية تهدف إلى كسب المعركة بصورة حاسمة ونهائية.

من ركائز السياسة الروسية التي تحدد ملامح الحرب الباردة الجديدة هي الاهتمام لا بتوسيع النفوذ السياسي في مناطق مختلفة من العالم فحسب، بل العمل أيضا على خلق مناطق نفوذ سياسي وعسكري تساعدها على الهيمنة في محاكـاة للسياسات الإمبراطورية، سواء السوفييتية أو الأميركية. كمـا يبدو أن أحـد ملامح الحرب الباردة الجديدة هو العـودة إلى سباق التسلح وخصوصا على الجانب الروسي.

المثير للاهتمام هو عدم وجود استراتيجية غربية لمواجهة الهجوم الروسي. هنالك ردود فعل بكل تأكيد ولكنها لا ترقى إلى كونها استراتيجية واضحة. يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة شك عميقة ويعيد العديد من أعضائه النظر في المشروع وفي التحديات التي تواجهه. كما لا يزال الاتحاد الأوروبي عاجزا عن وضع استراتيجية سياسية وعسكرية مستقلة عن قيادة الولايات المتحدة.هذه الأخيرة تعيش، بدورها، حالة تخبّط غير مسبوقة في تاريخها، وربما يكون وضع استراتيجية واضحة لسياستها الخارجية مرتبطا في نهاية المطاف بإدارة أميركية جديدة.

8