انتخبوا مرشحكم القاتل

الثلاثاء 2014/05/13

رويدا رويدا يستكمل النظام السوري استعداداته للعرس الديمقراطي الاستثنائي الذي سيقود بشار الأسد إلى اعتلاء سدة الرئاسة لولاية ثالثة، لكن بطريقة مختلفة هذه المرة، فبدل الاستفتاء المعتاد الذي سنّه من قبله والده حافظ الأسد، فإن ثلاث سنوات من الثورة السورية غيرت التسمية لتصبح انتخابا بدل الاستفتاء، والانتخاب هنا لا يختلف عن فكرة الاستفتاء إياها، إلا من ناحية الاستعانة بممثلين اثنين للعب دور المنافسين للأسد، الذي تقول الوقائع إنه بلا منافس فعليا، وقد مرت العملية الانتخابية بفصول يمكن القول عنها إنها كوميدية وخاصة بعد أن بلغ عدد أولئك الذين تقدموا بترشيحهم لمنافسة الأسد ثلاثة وعشرين مرشحا من بينهم ابن وزير الإعلام الأسبق ياسين رجوح الذي يرجع إليه “الفضل” الكبير في بداية انحدار الإعلام السوري ووصوله إلى هذه الدرجة من الرخاوة والهزال.

ولعل الشارع السوري بشقيه المؤيد والمعارض يعرف سلفا نتيجة هذه الانتخابات، التي حرم النظام جميع المعارضين من المشاركة فيها سواء كمرشحين أم كناخبين، فسنّ على عجالة مجموعة من القوانين التي تضمن مرور العملية بسلام كامل دون أن يعكرها قيل وقال، وقد دعا رئيس مجلس الشعب بعض رواد الديمقراطية العريقة في العالم، والمقصود هنا روسيا لتكون مراقبا للانتخابات، وبطبيعة الحال فإن إيران ستكون موجودة كونها المعني الأول بهذا العرس الديمقراطي، وهي ذات الباع الطويل في الديمقراطية وتشهد لها انتخابات عام 2009 التي سُحل فيها رافضو تولي أحمد نجاد الرئاسة في الشوارع، وما زال بعضهم مسجونا بتهمة الخيانة والتآمر، وهي نفسها الاتهامات الموجهة إلى جميع معارضي بشار الأسد، الذي ما زال يحمل أعباء القومية والصمود الوطني وتحرير فلسطين على عاتقه منفردا، بينما الجميع ودون استثناء هم خونة، وكأن الدمار الهائل الذي ضرب مخيم اليرموك الفلسطيني جنوب العاصمة دمشق كان مصدره قوات الاحتلال الإسرائيلي، والحقيقة أن إعلام النظام ربط الأمور ببعضها بطريقة “فانتازية” ليظهر أن كل معارضي الأسد هم بالضرورة عملاء لإسرائيل، حتى أولئك الذين كانوا حتى وقت قريب يصولون ويجولون في حمى مملكته السعيدة، وكان يتم التعامل معهم على أنهم سادة المقاومة ولا سادة سواهم، طبعا المقصود هنا حركة حماس.

الدولة السورية بأكملها تعمل هذه الأيام من أجل إنجاح يوم “العرس الديمقراطي” وقد سخرت كافة إمكانياتها للوصول إلى ذلك اليوم السعيد، ومن هنا يمكننا تفسير اتفاق الهدنة الذي ركض النظام ركضا من أجل توقيعه في حمص، وهو الذي رفض مرارا عقد أية هدنة مع من يسميهم إعلامه “العصابات الإرهابية المسلحة” لكنه وبتوقيعه اتفاق الهدنة أعطاهم اعترافا، لم يكونوا بحاجته حقيقة، في أنهم قوة على الأرض وينبغي التعامل معها وفق هذا الأساس، وقد وافق على خروجهم مسلحين من معاقلهم التي عجز عن اقتحامها على مدى أكثر من عامين، يضاف إلى ذلك النشاط المتزايد لتنظيم داعش في محافظة دير الزور ومحاولاتها المستميتة السيطرة على المدينة التي خرج ثلاثة أرباعها عن سيطرة النظام منذ أكثر من عام، وقد طوقت قوات النظام وتنظيم داعش المحافظة الشرقية الغنية بالنفط، واشتدت المعارك حدة في ريفها الغربي تحديدا، فيما يشير إلى وجود تنسيق بين الطرفين ضد ثوار المدينة، وبعض التنظيمات الأخرى التي تعمل ضد النظام والتي رفضت الدخول في أية مفاوضات معه.

يترافق ذلك مع اشتداد القصف بالبراميل المتفجرة على مدينة حلب التي تشير الكثير من المعطيات على الأرض إلى أن كتائب الثوار باتت قاب قوسين أو أدنى من السيطرة عليها بالكامل، ولكن يبدو أن النظام يؤجل حسم حلب، مدينة ماهر الحجار أحد منافسيه على الرئاسة، إلى ما بعد نجاحه في الانتخابات، فقد قدم وعدا انتخابيا مبكرا في تصريحات صحفية وقال إن هذا العام سيشهد نهاية العمليات العسكرية، وهو التصريح الوحيد الذي يمثل برنامجا انتخابيا في حملة الرئاسيات إذ أن أيا من منافسي الأسد سواء النوري أم الحجار ليس قادرا على تقديم أية وعود انتخابية، ولا على تقديم تصور صغير عما يمكن أن يفعله “في حال” نجاحه في الانتخابات، لأنه يعرف سلفا أنه مجرد ديكور، وليس مطلوبا منه القيام بأكثر من هذا الدور.

وكان حريا بالحملة الرئاسية للأسد أن ترفع شعارا واضحا وصريحا، مفاده “انتخبوا مرشحكم القاتل”، وستجد بين ظهراني المحللين السياسيين التابعين لنظامه تأويلات وتفسيرات لا تنتهي، تظهر القتل على أنه غاية الغايات البشرية، وهو المسبب لسعادة الشعوب.


كاتب سوري

9