انتشار الفكر الجهادي خطر ينبئ بعولمة الصراع

السبت 2014/08/30
شلل أميركي في تقدير مخاطر التمدد الجهادي وتبعاته على السلم والأمن العالميين

حاولت في هذه الدراسة وضع النتائج الأهم لدراسة ولادة تجربة “داعش” وانتشارها. وقد تجنبت الخوض في قضايا محددة، مثل قضايا الانتساب والتوظيف المؤقت أو الدائم وشبكات جلب المقاتلين وقائمات الممولين والمتعاملين مع التنظيم وخفايا سجن بوكا (المصنع الأول لزواج السِّفاح بين ضباط سابقين من الجيش العراقي والقاعدة). فهذه الدراسة تهدف إلى خلق حالة معرفية صحيحة بالظاهرة الأخطر للعمل المسلح في المنطقة، وليست تقريرا يوضع قصد رسم من يحارب أمنيا أو عسكريا، كذلك هي تطمح إلى تسليح الديمقراطيين وأنصار الكرامة الإنسانية والتنوير، علمانيا كان أم دينيا، بالوسائل الأمنية لمواجهة الظلامية والتكفير والتطرف.

ونضع تحت تصرّف كلّ الباحثين المواد والمصادر التي اعتمدناها في هذا البحث في أرشيف “المعهد الإسكندنافي لحقوق الإنسان”. فقد وجدنا للأسف ضبابية وتخبطا كبيرين في عشرات التصريحات والمواقف الصادرة من داخل المنطقة وخارجها، وقد سقط في “البروباغندا” والمواقف السياسوية كتّاب وسياسيون كثر، حتى لا نتحدث عن الإعلام الذي شارك، بشكل مباشر في ما أسميته منذ أكثر من عامين “عملية التجييش والتجحيش” الّتي أعطت نتائج كارثية على الأوضاع في كلّ من سوريا والعراق، وكان ضحيتها الأول صوت العقل والحكمة، وهو الصوت الوحيد القادر على مواجهة منطقية ومتماسكة، للمدّ السرطاني لظاهرة القتل على الهوية المذهبية والذبح المعمم للمدنيين وحاملي السلاح على حدّ سواء.


الغبن الاقتصادي سبب رئيس


لقد استثمرت الحركات التكفيرية الأوضاع البائسة للناس في شحذ التعبئة على أساس الحقد التبسيطي والغرائزي. ورغم أن هذه الحركات تستعمل السلاح المستورد وشبكات الإنترنت الغربية ووسائل الاتصال المستوردة بل والدواء المستورد، فقد أغلقت أبواب قبول أي فكر أو تشريع عالمي، سواء كان من روح الدين الإسلامي أو لم يكن. كما أنها اغتالت مفهوم الحق في الحياة في كل الشرائع الدينية والوضعية. ووضعت نفسها في مواجهة كل ما أنجزته البشرية على صعيد سلامة النفس والجسد.

وكما أوضحنا في دراسات سابقة؛ فنحن اليوم أمام نوازع إحيائية تغطي نزعاتها الباطنة للسيطرة والمال والجنس بغطاء طهراني يعتمد على ظاهرية التشدد والتزمت الشعائري. وهكذا نجح “بلدوزر” داعش وبشكل مأساوي في ضرب الطموحات النبيلة للحرية والكرامة والتغيير.

في هذا الإطار وجب التنبيه إلى أنّه لا يمكن أن تتم مواجهة الظلامية بوسائل فاسدة، وإن كانت المواجهة العسكرية لها أساسية فالحل للتخلص من هذه الظواهر لا يمكن أن يختزل في إستراتيجية عسكرية أمنية. لا يوجد مثل واحد في التاريخ تم وضع حد فيه لظاهرة التطرف بالتطرف أو بالعمل العسكري وحده. فالتطرف ظاهرة موجودة في كل المجتمعات البشرية بغض النظر عن الدين والإيديولوجية والقومية، ولكن وجودها الهامشي يسيطر عليه باستمرار، بوسائل دينامية تفتح أبوابا متعددة لاستعادة التأقلم والاندماج مع العالم الحقيقي، غير المثالي بالضرورة، مثلما يصف الطبيب النفسي الإيطالي بازاغليا، ما يسميه بـ “المجتمع المنحرف” (la société déviante).

من المعروف أن الشبيبة لا تنتج فكرها بل تلجأ إلى أيديولوجيات تعبوية، ولا يتم تنقية وإنضاج وسائل نضالها إلا بالتجربة.

إن الأوضاع البائسة للعولمة المتأزمة في محيط المراكز المسيطرة على اقتصاد السوق واحتكار الطاقة وتفوق التسلح، تنتج ظواهر نكوص مختلفة الأشكال والتعبيرات. ولكن ليس بوسع هكذا ظواهر أن تشكل خطرا وجوديا على المجتمعات دون استمرار فئات حاكمة تعزز التهميش الاقتصادي والمعرفي الذي يمس اللقمة والهوية مباشرة بطغيان محلي يغتال المواطنة ويحرم الناس من حقوقهم السياسية والمدنية والثقافية. هذا التداخل في عوامل انتشار التطرف بين المحلي والإقليمي والدولي يشكل قوة مضادة دائمة قادرة على زعزعة بنيات الدولة التقليدية ومحاصرة الحراك المدني الشعبي الطامح لاستعادة الشعوب لحقوق أساسية صارت من عاديات العصر سواء على صعيد الحريات الأساسية أو المقومات الأولية لحياة كريمة.

من هنا وقفنا بحزم ضد أي شكل من أشكال التسلح والمواجهة العنيفة، لأن التجارب المعاصرة للشعوب لا تعطي مثلا واحدا أعطى فيه العنف انتقالا للديمقراطية ودولة للقانون والعدل. ولأن بإمكان العنف الكامن في الظروف اللا إنسانية للبشر أن يختطف من الشبيبة الثائرة حقها الطبيعي في المقاومة المدنية لتغيير الأوضاع في بلدانها.


حمل السلاح مرادف للخراب


لقد حاولنا في السنين الثلاث الأخيرة تفكيك ودحض مواقف العديد من الجامعيين والمختصين الأوروبيين الذين كانوا يستنسخون المثل الفرنسي في تناولهم للحراك الشعبي في كلّ من ليبيا وسوريا، ويذكرون في كل مناسبة بأن النشيد الوطني الفرنسي مازال حتى اليوم يطلق صرخة Aux armes citoyens (إلى السلاح أيها المواطنون).

كذلك وقفنا بحزم ضد الدعوات “الجهادية” التي صدرت عن مشعوذي فتاوى الإنترنت والفضائيات. وكم نبهنا الأصوات المعتدلة والعقلانية من مغبة الدعوة إلى حمل السلاح، لأنّ هذا الحل لن يلبث أن يتهمش ويختفي تحت ضربات سلطات لم تبن في بلدانها سوى منظومة واحدة؛ هي المنظومة الأمنية العسكرية، وهياكل مسلحة مشبّعة بالظلامية المذهبية والعضوية Organic based structures يمكن توظيفها من قبل كل النظم السياسية غير الديمقراطية المعششة في المنطقة العربية منذ عقود وأجيال.

ولا شك في أنّ تقاطع المصالح بين دول إقليمية ارتجفت من حراك شعبي لم يكن مطروحا على أجنداتها، ودول أخرى وجدت في العنف وسيلة لإضعاف دول وقوى صنفتها ضمن محور الخطر على مصالحها، ممّا سارع في تحويل كلّ من سوريا والعراق إلى أكبر ساحة للعنف بلا حدود تستجلب كل ضحايا التهميش ليس فقط من الغرب، بل أيضا من الدول النفطية التي باتت مهددة، بحكم الأيديولوجية الجهادية الأكثر تأثيرا في شبيبتها منذ الحرب الأفغانية.

ميدان الصراع هذه المرة لم يكن في الجبال والبراري الأفغانية، وإنّما على حدود مجلس أوروبا وحلف شمال الأطلسي (تركيا)، وعلى بعد أقل من مئة كيلومترا من الاتحاد الأوروبي، ولا يمكن لمن فتح الحدود باتجاه شمال الهلال الخصيب أن يضع للجماعات التكفيرية شارة المرور في اتجاه واحد One Way ليحمي ظهره من تبعات هذه السياسة المدمرة للآخر، غير القادرة على ضمان حماية الذات على المدى المتوسط والبعيد.


الاستبداد يولد التطرف

عوامل استفادت منها الحركة الجهادية:
◄ اعتماد الحرب الأفغانية على فكرة الجهاد ضد الشيوعيين والكفرة

◄ الفراغ الأيديولوجي الذي تبع سقوط المعسكر الشرقي

◄ صعود أسهم حركات الإسلام السياسي

◄ استثمار الحرب التي شنتها إدارة بوش

◄ المرجعية القطبية المشتركة

◄ اعتماد السلطات الدكتاتورية على العصبيات قبل المدنية


إذا كانت إحدى النتائج الأكثر خطورة لعولمة الصراع في المنطقة تكمن في صعود دور أجهزة المخابرات على حساب السياسة والمواقف الجيو سياسية في المنطقة (لاحظنا بوضوح تصاعد دور حقان فيدان في تركيا، قاسم سليماني في إيران، علي مملوك وجميل حسن في سوريا إلخ)، فإن النتيجة المباشرة لعولمة حالة الطوارئ وتعويم “الدولة الأمنية” تمثلت في تعزيز الأطروحات السلفية الجهادية، وفي إلغاء أي فرق بين الدولة والنظام والسلطة السياسية والأمنية.

وعندما تصبح موضوعة الدولة مرفوضة ينعكس ذلك مباشرة على؛ مفهوم السيادة، وحدة الأراضي، مكونات المجتمع سواء اعتبرت رعية أو مواطنين، ما هو وطني وما هو عدمي، وفكرة دولة المؤسسات والقانون التي حملتها إنجازات قرون طويلة من صراع الإنسان مع الظلم والسلطة المطلقة والاستبداد.

ومع تراجع فكرة دولة المثال الشعبي والمواطنة تحتل مفاهيم القرون الوسطى المكان ويحدث النكوص إلى الحاكم الذي يجمع بين يديه الصلاحيات المطلقة والقيادة التي لا تحاسب والمافيا المنظمة للاقتصاد ومحاكم التفتيش.

هذا الخلط بين الدولة والنظام السياسي والسلطة، شاركت السلطات المستبدة في تأصيله عبر ما أسميناه في موسوعة “الإمكان في حقوق الإنسان” (الجزء الأول 2000) بالإبادة السياسية وقرارات الإعدام بحق كل منتسب إلى الأحزاب الإسلامية في مطلع الثمانينات، رغم سعي هذه التنظيمات إلى نسف المجتمعات والحؤول دونها ودوم التقدم والازدهار.

وقد خلقت هذه القرارات في صفوف قطاعات واسعة من الحركة الإسلامية السياسية حالة مواجهة مع الدولة بكل مؤسساتها من الأحوال الشخصية إلى مؤسستي الجيش والشرطة. وذهب بها صناع تنظيم القاعدة إلى حدها الأقصى بتكفير كل من ينتمي إلى هذه المؤسسات واستباحة المواجهة الدموية معه. وقد انتشرت فيروسات هذا التوجه في صفوف قطاعات غير محدودة همشتها النظم السياسية التسلطية، الأمر الذي أخذ أشكالا سلبية متعددة للمواجهة كمشروعية سرقة المال العام ونهب مؤسسة حكومية وصولا إلى تفجير مؤسسات الدولة التي تعنى بصناعة الأدوية والأغذية أو البريد والهاتف. كذلك أعادت هذه السيرورة الاعتبار إلى فكرة “التدخل الخارجي”، التي غزت عقول الكثيرين من العامة والنخبة على حدّ سواء. وإن كان العمى الإيديولوجي قد أوصل المتطرفين إلى نهاية منطقهم الخاص، فإن صعود اللاعقلانية السياسية وتنصيب القيادات المرتهنة ومضخات المال السياسي في السنين الثلاث الأخيرة قد عممت هذه الظاهرة على جماعات أخرى غير جهادية حملت شعارات براقة كالتحول الديمقراطي وبناء دولة القانون، ثم لم تلبث أن وجدت نفسها أقلية محاصرة بين مطرقة تيار تكفيري وسندان سلطات تسلطية.

بناء الحاضنة المجتمعية

استفادت الحركات السلفية الجهادية من عدة عوامل سمحت لها بالانتشار والتوسع من أبرزها؛ أولا اعتماد الحرب الأفغانية على فكرة الجهاد ضد الشيوعيين والكفرة مع غطاء واسع لكل ممارسات المجاهدين، بما في ذلك تحطيم المدارس والمؤسسات العامة بل وحتى المستشفيات. وقد شمل هذا الغطاء كل الديمقراطيات الشكلية الغربية دون استثناء، ولم يكن حكرا على الحكومات العربية والإسلامية التي شكلت الجبهة الخلفية الداعمة بالمال والرجال.

أمّا ثانيا فالفراغ الإيديولوجي الذي تبع سقوط معسكر وارسو وتفكك الاتحاد السوفييتي. ومن المعروف أن الشبيبة لا تنتج فكرها بل تلجأ إلى أيديولوجيات تعبوية في نضالها. ولا يتم تنقية وإنضاج وسائل نضالها إلاّ بالدُّربة والتجربة.

ثالثا، صعود حركات الإسلام السياسي منذ النصف الثاني لفترة السبعينات من القرن الماضي في عدة دول إسلامية وقيام جمهورية إيران الإسلامية. ورغم فشل حركة جهيمان العتيبي في السعودية، وتجربة “الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين” في سوريا، فقد بقيت الأيديولوجيات الإسلامية السياسية مادة التأثير الأساسية في الأوساط الشبابية.

رابعا، استثمار الحرب التي شنتها إدرة بوش- شيني- رامسفيلد على الإرهاب والتي نصّبت تنظيم القاعدة في منزلة العدو الأول من بين الأطراف الأكثر تشددا وتزمتا في الحركة الإسلامية السياسية.

النتيجة المباشرة لعولمة حالة الطوارئ وتعويم الدولة الأمنية تمثلت في تعزيز الأطروحات السلفية الجهادية

أمّا خامسا، فانتقال عدوى الأطروحات المذهبية إلى أحزاب وحركات إسلامية من خارج التيار الجهادي بعد احتلال العراق والدفع بأطروحات “البيت الشيعي” في محاولة إعادة بناء الدولة العراقية.

سادسا، توظيف العديد من حكومات الشرق الأوسط لفكرة الصراع المذهبي “السني- الشيعي” في الخلافات الإقليمية وضخ مليارات الدولارات من أجل تهميش كلمات كالمصلحة القومية وسيادة الدولة وعلاقات حسن الجوار وبناء تجمعات اقتصادية فوق قومية لشعوب ودول المنطقة والمواجهة بين المشروع الاستبدادي والمشروع الديمقراطي. مقابل التركيز على صراع المذاهب والقوميات والعداءات التاريخية وتصفية الحسابات المتأخرة وضرورة القضاء على الخصم العدو.

سابعا، اشتراك غالبية الأحزاب الإسلامية في الأطروحات الشمولية التي يلخصها سيد قطب بالقول: “خذوا الإسلام جملة أو دعوه”.

نقطة اللقاء القطبية هذه بين التنظيمات المسلحة للإخوان المسلمين والتنظيمات الجهادية السلفية جعلت من الأوساط الاجتماعية الإخوانية المزرعة الخصبة لدعم الحركات الراديكالية بما تحتاج إليه من إطارات ذات خبرة سياسية ونقابية ولا تجد في انتقالها إلى العمل الجهادي موانع أيديولوجية أو عقائدية هامّة.

ومن الضروري التذكير بأن أهم عناصر حركة أحرار الشام والنصرة وبدرجة أقل تنظيم “داعش” هم من قدماء “الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين” الذين التحقوا بتنظيم القاعدة. ولا حاجة لاسترجاع لحظات النشوة التي جمعت القيادات الإخوانية والسلفية الجهادية في مؤتمر نصرة سوريا في 15/06/2013 الذي حضره محمد مرسي (رئيس جمهورية مصر العربية يومها).

ولا أظن أن بإمكان أيّ باحث إسلامي موضوعي أن يميز بين دعوات يوسف القرضاوي ومطالبات ياسر برهامي ومحمد العريفي من التيار السلفي في هذه المناسبة. ويكفي استعراض أسماء بعض الأطراف المنظمة شأن (منتدى المفكرين المسلمين، ورابطة علماء المسلمين، والهيئة العالمية للسنة، المجلس التنسيقي الإسلامي العالمي، والحملة العالمية لمقاومة العدوان) لرؤية هذا التماهي بين أطروحات الطرفين ودعوتهما المفتوحة إلى الجهاد العالمي في سوريا.

أمّا ثامنا وأخيرا، فقد اعتمدت السلطات الدكتاتورية على العصبيات قبل المدنية في بناء جيشها وأجهزة مخابراتها فيما وضع كل من هو خارج التكوين العصبي للحاكم في موقع مواجهة ملوثة بالأطروحات الطائفية والمذهبية.

6