انتشار الكاتب

الأحد 2017/01/08

أكثر ما واجهته من أسئلة في بيروت أثناء حضوري معرض الكتاب من أصدقاء كتّاب عرب وعراقيين، هو كيفية النشر والانتشار والوصول إلى أكبر مساحة من القرّاء، كما أن دار الرافدين للنشر والتوزيع البيروتية نظمت ندوة بهذا الشأن حضرها عدد من الكتّاب والناشرين العراقيين للتداول في آلية تقديم الكاتب العراقي عربياً وتجاوز واقع العزلة المفروضة عليه.

وعلى الرغم من أنني أدرت تلك الندوة ولمست عن قرب رغبة الناشر العراقي-اللبناني الزميل محمد هادي في تقديم كل ما يلزم للاحتفاء بالرواية العراقية، إلّا أنّني شعرت بالتقصير لأن ما لم أقله بهذا الشأن كان أكثر بكثير مما قلته في الحقيقة، إما بسبب ضيق الوقت، أو لتحفظي على بعض القناعات الراسخة بذهني والتي قد يتحسس منها بعض الأصدقاء، ولهذا أجدني مضطراً للكتابة عنها هنا بتفصيل أكثر دقّة، على الرغم من أنّني سبق وأن كتبت بهذا الاتجاه في مقالات سابقة.

وبقدر تعلّق الأمر بالانتشار والاحتفاء فإن الأمر يتطلب من وجهة نظري المتواضعة، قبل وضع الخطط والتنسيق، شيء اسمه الإخلاص للكتابة وشرط الجودة الذي أعدّه المفتاح الذهبي للنشر والانتشار، لكن ما هو الإخلاص للكتابة وما هو شرط الجودة؟

في الواقع اعتاد الكثير من الكتّاب، لا سيما العراقيين، على استسهال قضية الكتابة من دون تمحيص أو شعور بالمسؤولية الجسيمة التي تترتب على الكاتب، كما اتخذ البعض من هؤلاء الكتابة كوسيلة لتحقيق بعض المكاسب المالية العاجلة، ولجوء البعض الآخر إلى الغزارة في التأليف حتى تجاوزت كتبهم الخمسة أو الستة في السنة الواحدة، وكأنهم في حلبة سباق مع الزمن من أجل نشر المزيد من الكتب، من دون التقاط الأنفاس وتأمّل النتائج وقراءة الأصداء التي تولّدها تلك الكتب في أوساط القرّاء والنقّاد والمعنيين بالأدب عموماً.

ولعل الأمر الأكثر استغراباً هو ما يشيعه البعض عن صدور المئات من الروايات العراقية بعد العام 2003، عام الزلزال والاحتلال الأميركي للعراق وما ترتّب عليه من موبقات في الحياة السياسية والأدبية على حدّ سواء، كما لو كان الأمر منجزاً للرواية العراقية وليس مثلبة أو دليل وهن نتيجة لانتشار فوضى النشر وغياب الرقيب الفني وانعدام التقاليد، وبغض النظر عن نظرية هذا الكمّ الهائل من الروايات التي يعتقد البعض أنّها صدرت في العراق، فإن قلة قليلة جداً لا تتجاوز أصابع اليد من الروايات العراقية التي استطاعت أن تحقق حضوراً ومكانة مرموقة في أوساط القرّاء في العالم العربي، على الرغم من أن الرواية العراقية توجت بجائزة البوكر العربية في العام 2014 بواسطة رواية الكاتب أحمد سعداوي.

وتبقى حزمة مهمة من العوامل الضرورية التي يجب أخذها بنظر الاعتبار عند الحديث عن دعم الرواية العراقية والترويج لها، أولها عدم توفر دور نشر عراقية مرموقة تعتمد الاحترافية والدقة والمصداقية في عملها وتحترم اسمها ومكانتها كما تحترم الكاتب وحقوقه وتتميز بالأمانة في تعاملها، والقضية الأخرى المهمة هي سلوكية الكاتب نفسه واحترامه لفنّه وولاؤه لدار النشر التي يتعامل معها وإخلاصه لفكرة الأدب، وبعبارة أخرى فإن الكاتب الذي يؤلف رواية توثيقية عن حدث أو ظاهرة ما بدافع تحقيق مكسب مالي ما عليه إلا أن يدرك بأنّه أسقط شرط التلقائية الأدبية سلفاً بإقدامه على كتابة عمل من هذا النوع.

القضية المهمّة الأخرى هي حضور الكاتب في المحافل الثقافية وقدرته على التفاعل مع الأحداث السياسية بموضوعية وبقراءة متقدمة ونزيهة بعيدة عن الانحياز والتطرف. إن مثل هذه العوامل المهمة قد تصبح في مرحلة لاحقة من حياة الكاتب ضرورات ملحّة وشرطاً ملزماً لتحقيق الانتشار ومن دونها لا يمكن الحديث عن أيّ خطط أو طموحات.

كاتب من العراق

11