انتشار "شعوب سوريا" بين أستانة وجنيف وحميميم في نوفمبر

الأحد 2017/10/29

كنا نعتقد، نحن السوريين، أننا مجتمع خلال غفلتنا تحت حكم الأبدين الأسديين، فاكتشفنا أننا طوائف بعد أقل من سنتين من انطلاق الثورة السورية، لننسى شعار “الشعب السوري واحد” في السنوات التالية من الثورة اليتيمة أو المستحيلة أو النائمة.

الآن نحن أمام مسألة تقبع في أحد مندرجات الفلسفة المافيوية للقيادة الروسية، فالرئيس فلاديمير بوتين دعا إلى مؤتمر لـ”الشعوب السورية”، موعزا لدوائره الدبلوماسية للتحضير لهذا المؤتمر بخيارات متعددة أو متعاقبة، لجهة مكان عقد هذا المؤتمر.

والعبارة ليست زلة لسان من بوتين، مقارنة مع ما جرى في روسيا في نهاية حرب الشيشان ضد روسيا الاتحادية، حين عقدت موسكو مؤتمرا جمعت فيه “شعوب جمهوريات القوقاز″ التي تعيش في خاصرة الجغرافيا الروسية العملاقة، ويدين ما لا يقل عن نصف سكان تلك الجمهوريات بالإسلام، وكانت ولا تزال تتمتع بحكم ذاتي، لكنها محرومة من القرار السياسي والعسكري والاستقلال الوطني.

في بداية الألفية الحالية استطاع بوتين، كرئيس لروسيا ورئيس وزراء، بعد حرب طويلة مع بعض هذه الشعوب، وخاصة في الشيشان، إنهاء الحرب وإعادة ضم جمهوريات القوقاز المتمردة على سلطة روسيا الاتحادية إلى الفلك الروسي.

أما “شعوب سوريا” فمن الصعب التفريق بينها، بوجود أكثر من معيار. فإذا كان المعيار هو العرق سيكون الأكراد نقيضا للعرب، وسيكون التركمان نقيضا للاثنين، أما إذا كان المعيار الدين والمذهب فستكون معظم مكونات الأعراق الثلاثة متوحدة على المذهب السني. وإذا كان الفيصل هو الدين في عمومه، ففي سوريا معظم المذاهب والاعتقادات الموجودة في المشرق العربي، من المذاهب الإسلامية، إلى الطوائف المسيحية، إلى العلويين والدروز والإيزيديين واللادينيين… إلخ.

بالطبع، يتغاضى بوتين عن أن سبب الثورة السورية سياسي وحلها لن يكون إلا بالسياسة بما تعنيه الكلمة من المساواة بين جميع أطياف السوريين والتلاقي على المصالح في إطار قانوني، بما في ذلك الدستور المكنّى بـ”أبي القوانين”.

لكن بوتين باستخدامه هذا الاصطلاح لا يلمّح فقط إلى بداية السير في تكريس الفيدرالية في سوريا بل إلى تقسيم البلاد، أو التهديد بدعم تقسيمها، خاصة أن المصالح الأميركية، قبل مصالح الشعب السوري تفترض وتفضل بقاء سوريا بلدا موحدا.

الخلاف الروسي الأميركي يلعب لعبته هنا، فأميركا لم تصل إلى الآن إلى قناعة بحلول ساعة تدخلها السياسي الفاعل للاتفاق مع روسيا، أو للجم تحركاتها، حيث لا يزال الملف السوري في عهدة وزارة الدفاع الأميركية ولم ينتقل إلى وزارة الخارجية المعنية بالسياسة. والحجة المعلنة لتأخر استلام الخارجية الملف من الدفاع هو إنجاز وزارة الدفاع مهمتها في القضاء على داعش.

وفي ما يتعلق بروسيا بوتين، التي لا تزال مأخوذة بسياسة الانسحاب الأميركي من سوريا وغير مقدرة تماما لحضور واشنطن العسكري في شرق سوريا، تحاول موسكو الاستفادة من الوقت الممنوح لها من خلال خسارة واشنطن الدعم التركي وتركها لحليفتها الأطلسية لترتمي مرغمة في حضن موسكو، مفضلة الاستخدام المؤقت للورقة الكردية في حربها ضد داعش، على الرغم من إدراك موسكو وإدراك أميركا، أن وقت داعش قد نفد كقوة عسكرية، وكسبب أول لتعميق فوضى الحرب السورية.

هذا الإدراك المشترك يشير إلى أن كلاّ منهما مستعد للمواجهة التي ستقتصر على السياسة غالبا، دون صدام عسكري لا مصلحة للطرفين فيه. والمهم والمنطقي في هذه المواجهة المتوقعة هو قياس التقدم العسكري لكلا الطرفين، وما حققته آلتهما العسكرية، أو آلة حلفائهما، على الأقل منذ بداية خريف 2015، دون أن يعني ذلك أن روسيا قد حققت تقدما حاسما منذ إعادة تأهيل مطار حميميم ليكون قاعدتها العسكرية، وما ترتب على احتلال القاعدة من اتفاقات عسكرية واقتصادية وسياسية وقعتها موسكو مع النظام الأسدي.

وبين السياسة اللفظية الأميركية بالحفاظ على سوريا موحدة، وبين سياسة “الشعوب السورية” وفق منطوق بوتين، سيبدأ سباق ما بين ترامب وبوتين غالبا، في إشارة إلى قرب الحل، كما نتمنى كسوريين، لن يقتصر على الضغط على الأطراف السورية المتقاتلة لتقديم تنازلات تمهد للحل السياسي لينشأ بينهما صراع سياسي صريح إذا صدقنا جدية التصريحات الأميركية الخاصة بعدم وجود دور لبشار الأسد في مستقبل سوريا.

روسيا ستحاول التشكيك في جدية “الإصرار الأميركي” على رحيل النظام الأسدي إلا إذا أخذت ضمانات باحترام الاتفاقات الموقعة مع النظام على أنها اتفاقات دولية تُلزم أيّ حكومة سورية في المستقبل.

ومن هنا، قد لا نرى حلا سياسيا في عهد ترامب-بوتين، مع احتمال وارد نرى فيه دعما عسكريا أميركيا لفصائل المعارضة، في حال تشدد روسيا أمام “الإصرار الأميركي على إزاحة الأسد”، وما قد يعنيه ذلك من سحب الأميركان لدعمهم لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، والعودة إلى التحالف الأميركي التركي لإسقاط المشروع الروسي في سوريا.

في نوفمبر، سترفع روسيا مستوى العرض في بورصة السياسة السورية إلى ذروة فوق العادة من خلال عرض مفرط لأدوات السياسة تبدو أمامه أميركا مجرد متفرجة، خاصة في أستانة 7، وحميميم 1، وربما في مطار دمشق 1، لكنها قد تحضر اسميّا، أو لأخذ العلم، في جنيف 8، والرياض 2. هذا مع ملاحظة أن زيادة عرض المادة السياسية في السوق يعني رخص ثمنها، والاستعداد للتنازل في السعر كي لا يتضخم المخزون ويصبح مادة كاسدة يحتاج التخلص منه الإنفاق على إتلافه.

أين النظام الأسدي من هذا، حتى لو كانت حميميم أرضا روسية، بل أين إيران التي راهنت بكل شيء كي يستمر نظام دمشق جسرا لها في اتجاه المتوسط ولبنان .

بالنسبة إلى أميركا تؤدي إيران دورها الوظيفي على اعتبار أنها عدو صريح.

وعلى الرغم من جبروت التصريحات العلنية بين طهران وواشنطن فإنهما تستفيدان معا من اختلال توازن اللاعبين العرب في شرق المتوسط وما يليه من الخليج العربي والعراق. كان هذا قائما قبل قيام الثورة، وتعمّق أثره في خدمة عدوين صريحين لا يستعجلان المعركة بينهما حتى على خلفية الملف النووي الإيراني.

في مسألة حميميم 1، ستبرز مسألة عصية على الحل الروسي وهي معضلة حضور “معارضة الخارج” إلى القاعدة الروسية أو إلى دمشق من الائتلاف إلى هيئة التفاوض العليا إلى تيار الغد السوري، حيث رفضوا جميعا فكرة الذهاب إلى حميميم.

وقد يكون هذا التعقيد مقصودا من روسيا كجزء من معركة كسب الوقت، بل ومنح قوات الأسد مزيدا من الوقت لتمكين مواقعها في جوار مناطق النفوذ الأميركي في دير الزور، حيث تتقدم قوات سوريا الديمقراطية، وتتراجع فلول داعش، وحيث لا تبدي أميركا ممانعة لتحرك قوات النظام والميليشيات إلا إذا حدث صدام مع “قسد” في هذه المرحلة المبكرة من معركة ستتغير أطرافها في مرحلة ما بعد داعش.

كاتب سوري

3