انتصارات المعارضة تعيد الأمل بقرب انفراج الأزمة السورية

أعادت الانتصارات التي حققتها فصائل المعارضة السورية على قوات النظام المدعومة من إيران ومقاتلي حزب الله، في المدة الأخيرة، الكثير من الأمل إلى السوريين للخروج من الأزمة التي كانت وطأتها شديدة عليهم طيلة السنوات الأربع الماضية. أمل بدأت ملامحه تتشكل مع وجود مشاريع إقليمية جديّة، برعاية سعودية، لتوحيد الفصائل المعارضة وإنهاء حالة التّشرذم التي اتّسمت بها، جرّاء سياسات المتدخلين الإقليميين والدوليين الآخرين (المتباينة في ما بينها) وعلى رأسهم واشنطن.
الجمعة 2015/05/15
دعم التنسيق بين الفصائل المعارضة يحقق مزيدا من التقدم على أرض المعركة

شهدت منطقة القلمون السورية، شمال غرب دمشق، معارك واسعة مطلع شهر مايو الجاري بين فصائل المعارضة السورية و”غرفة عمليات جيش الفتح” من جهة، و”حزب الله” مدعوما بقوات النظام السوري من جهة أخرى. وشملت العمليات العسكرية التي شنتها فصائل المُعارضة جسر الشّغور وأريحا في محافظة إدلب، والتي تمثل خطّا دفاعيا للنظام يمتدّ من محافظة اللاذقية.

وتقوم استراتيجية المعارضة، لدى تنفيذها للعمليات الأخيرة، على أساس الهجوم على أكثر من محور وعزل القواعد العسكرية للنظام واستنزاف قواته.

وقد شهد ملف “المعارضة السورية المسلحة” تحوّلات كثيرة، فبعد أن كان هنالك هيكل شبه موحّد لـ”الجيش الحر”، أضحت هنالك فصائل مسلحة عديدة تتفاوت درجة اختلافها عن بعضها البعض ما بين السّلفية الجهادية شأن تنظيم “جبهة النصرة” وفصائل سلفية أقل تطرّفا مثل “الجبهة الإسلامية” وفصائل عسكرية أخرى أكثر اعتدالا. ونتاجا لذلك فقد بقيت المعارضة السورية المسلحة تعاني من التشتت والانقسام إلى حين تمّ تشكيل “جيش فتح”.

هذا التشتت والتشابك جعل هذه الجماعات تعيش أوضاعا تنظيمية غير مستقرة، فهنالك بعض التنظيمات التي ظهرت واختفت بسرعة، وفي الغالب لأسباب تمويلية، كما أنّ مسألة توحيد الفصائل المسلحة مازالت بمثابة أمر مستحيل، وفق رأي بعض قيادات المعارضة من العسكريين المنشقين عن القوات النظامية السورية، خاصّة أنها تختلف عن بعضها البعض على مستويات عدّة من بينها الأيديولوجي والمذهبي والقومي، كما تقسمت أيضًا بحسب الجهات الخارجية الممولة.

كشفت تقارير تناقلتها شبكة الـ“بي بي سي” بأنّ أعداد العناصر التي تقاتل في صفوف فصائل المعارضة المسلحة تقدّر بـ100 ألف مقاتل على الأقل، وتتفاوت في الحجم والتأثير والتحالفات المعقودة فيما بينها.

مازالت هنالك العديد من الانتقادات التي توجه إلى واشنطن في ما يتعلق بمدى جديتها في دعم فصائل المعارضة المسلحة

لكن وعلى الرغم من هذه التباينات والاختلافات فإنّ المواجهات الأخيرة التي حصلت على أكثر من جبهة توحي بأنّ هنالك نوعا من التنسيق قد حدث بين مختلف الفصائل المعارضة المقاتلة، كما يؤكّد أن العمليات العسكرية التي تمّ تنفيذها والانجازات التي حقّقتها المعارضة كان مخطّطا لها ولم تكن عرضية. ويرى مراقبون أنّ هذه التطورات الحاصلة على الأرض لن تكون بمعزل عن النشاط السياسي الدولي، وستأتي بنتائجها في المستقبل القريب.

تقدم نوعي للمعارضة

وشهدت المدة الأخيرة تقدما ملحوظا للفصائل المعارضة على الأرض مقابل تراجع لقوات النظام، وقد اندلعت مواجهات عدة بين الطرفين في أماكن مختلفة من البلاد، شأن محافظة درعا، أقصى الجنوب السوري، التي شهدت مواجهات بين قوات نظام الأسد و”جبهة النصرة” المدعومة بكتائب معارضة مسلحة.

وفي ذات السياق استطاعت المعارضة تحقيق تقدّم عسكري في إدلب على الجيش السوري النظامي لتكون على مقربة من مدينة اللاذقية، وكذلك جرت الأمور في القلمون الغربي. وتكمن أهمية منطقة القلمون الغربي بالنسبة للمعارضة، في تأمين طريق الشمال الغربي، الذي يربط الساحل بالعاصمة دمشق من الجنوب، كما أنها تعتبر خط الإمداد من لبنان بالنسبة إلى “حزب الله”.

أبرز الفصائل المسلحة

◄ جيش الفتح: يضم جبهة النصرة وأحرار الشام وجند الأقصى وفيلق الشام وفصائل عسكرية معارضة أخرى.

◄ جبهة ثوار سوريا: تضم وفق بعض التقديرات نحو خمسة وثلاثين ألف مقاتل، ورغم الخسائر التي منيت بها فهي ما تزال قائمة في جنوب سوريا وفي حلب وريفها.

◄ الجبهة الإسلامية: هي اندماج فصائل وألوية إسلامية سورية وتضم الجبهة الإسلامية وجيش المجاهدين وحركة نور الدين الزنكي وجبهة الأصالة والتنمية.

◄جبهة النصرة: هي أكثر الفصائل تشدّدا، ويقدّر عدد مقاتليها بسبعة آلاف مقاتل، وقد تمّ إدراجها ضمن فصائل المعارضة من قبل بعض الأطراف الراعية للمعارضة السورية.

ويقول حنا إلياس الباحث في الشؤون العسكرية “إنّ القلمون تمثل خاصرة طرية لحزب الله، فهي ممره إلى سوريا، وهي مركز ثقل شيعي مؤيّد له، فإذا سقطت في يد المعارضة، فسوف تُسد الطريق أمامه بالاتّجاه السوري، علما بأنه لا يمكنه الانطلاق من شمال لبنان إلى سوريا لأسباب منها أنّ الشمال يحتوي على غالبية سنية غير مؤيدة له”.

هذا وقد سُرّبت معلومات إلى وسائل الإعلام، مؤخرا، تفيد بوجود مشروع لتقسيم سوريا إلى قسمين، أحدهما يتبع القوات النظامية والآخر يتبع المعارضة السورية. وربّما تقف هذه التسريبات وراء تصعيد المعارضة السورية المسلحة لجهودها ومحاولة توحيد صفوفها خاصة في القلمون وادلب وجسر الشغور خلال شهر أبريل المنصرم، خاصّة أنّ المعارضة المسلحة قد استفادت من تجربتها السابقة في إدلب، مما دفعها لتعزيز تقدّمها باتّجاه الساحل واللاذقية.

تباين في وجهات نظر الداعمين

وقعت واشنطن وأنقرة وقطر منتصف شهر فبراير 2015 اتفاقا يقضي بتدريب عناصر سورية في قاعدة تركية من المقرر أن تكون في مدينة كير سهير التركية، وسط الأناضول، على أن يبدأ تنفيذ هذا الاتفاق مطلع شهر مايو الجاري. ويخضع هذا المشروع إلى إشراف البنتاغون، ويمتد على ثلاثة أعوام، على أن يقوم بتخريج خمسة آلاف مقاتل مدرّب سنويا. ويذكر أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية هي الأخرى لديها اتصال ومشاريع عمل مع فصائل المعارضة المسلّحة.

وقد أعلن وزير الدفاع الأميركي، كارتر، يوم 7 مايو الجاري، بـ”أنّ الهدف من تدريب الفصائل المسلحة هو مقاتلة داعش”، غير أنّ مصادر من البيت الأبيض ذكرت في تصريحات لاحقة أنّ هؤلاء المقاتلين يمكن أن يستخدموا ضدّ النظام السّوري.

السياسة الأميركية المتلكئة تجاه سوريا دفعت السعودية إلى الأخذ بزمام المبادرة والعمل على إعادة تشكيل المشهد

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد أشارت بدورها إلى إمكانية استخدام عناصر المعارضة المسلحة التي سيتم تدريبهم لقتال نظام الأسد، حيث قالت المتحدثة باسم الوزارة، يوم 17 من فبراير المنصرم “وكما قلت سابقًا، ننتظر بطبيعة الحال قيام المعارضة المعتدلة، التي ستخضع للتدريب ضمن البرنامج، باستخدام التدريب والتجهيزات التي سيتلقونها ضد النظام، مع أن تركيز البرنامج هو لقتال داعش”.

هذه التصريحات الأميركية المتباينة مع الأهداف التركية القطرية من شأنها كذلك أن تعمّق مشكلة المعارضة السورية المسلحة والسياسية التي تتأثر طبعا باختلاف أولويات الأطراف الراعية، خاصة أنّ الخلاف بين هذه الأطراف بات واضحا؛ ففي الوقت الذي يحتل فيه دحر تنظيم “الدولة الإسلامية” أولوية الأولويّات لدى البنتاغون يأتي تغيير النظام السوري في المرتبة الأولى على أجندة أنقرة.

من جهة أخرى، وفي ما يتعلق بالموقف السعودي المحوري في هذا النزاع، أضحت المشاريع التي تطرحها الولايات المتحدة متأخرة ولا تلقى تأييدا من قبل المملكة السعودية، فالأخيرة باتت غير مبالية بالمشاريع الأميركية المطروحة، ولم تعد تحتاج كذلك إلى موافقة واشنطن على الخطوات التي تعتزم القيام بها، وهو ما تجلى في عملية عاصفة الحزم التي استهدفت التمرّد الحوثيّ في اليمن، وهو كذلك ما يبدو جليا من خلال انفراد السعوديين الآن بأنفسهم في صنع قراراتهم، المتعلقة بدعم تشكيل “جيش فتح” في إدلب وجسر الشّغور.

سياسة أميركية متلكئة

السعودية تستلم مقود دعم المعارضة وتوحيد فصائلها

مازالت هنالك العديد الانتقادات التي توجّه إلى واشنطن في ما يتعلق بمدى جدّيتها في دعم فصائل المعارضة المسلحة، إلى حدّ أنّ البعض وصفها بـ”ذر الرماد في العيون”. ففي الوقت الذي تعلن فيه واشنطن البدء بتدريب عناصر تابعة للمعارضة المسلحة، تعلن حركة “حزم” أكبر الفصائل المعارضة القريبة من الولايات المتحدة في منطقة حلب عن حلّها لنفسها واندماج أكثر من خمسة آلاف مقاتل تابع لها في الجبهة الشمالية.

وتكمن مشكلة واشنطن الرئيسية في أنّها لا تملك رؤية وموقفا واضحين من النظام السياسي القائم في سوريا، كما أن برنامجها للتدريب يحتوي على العديد من السلبيات، وهو كذلك مفتوح على العديد من الخروقات، وهذا ما جعل موازين اللعبة تتغير أكثر من مرة.

وتتعرض مشاريع تدريب المعارضة المسلحة الأميركية إلى اختراقات عديدة من طرف عناصر “الدولة الإسلامية” ونظام الأسد وجماعات إسلاموية أخرى بغرض الحصول على السلاح والمعلومات. وما يدعم هذه الاختراقات هو أنّ الالتحاق بتلك المعسكرات يكون على شكل جماعات أكثر بدل من كونه يقوم على التحاق الأفراد، وهو ما يدفع إلى تفكك تلك الفصائل التي تمّ تدريبها لاحقا.

وتثير عملية تشكيل وتسليح الفصائل المسلحة بإشراف واشنطن من ثمّة تفكّكها بتلك السرعة، الكثير من الاستفهامات حول الهدف من تشكيل تلك الفصائل وتدريبها بتلك الطريقة غير المؤمنة وتمتيعها بالأسلحة ومن ثمة عدم متابعتها.

هذا النوع من العمليات لا يستبعد أن يكون مقصودا، بهدف إطالة الفوضى وإشعال التناحر الذي من شأنه أن يوصل سوريا إلى التقسيم. وقد دفعت هذه السياسة الأميركية المتلكئة، عددا من القوى الإقليمية الفاعلة شأن المملكة العربية السعودية وأطرافا خليجية أخرى إلى الأخذ بزمام المبادرة وسحب البساط من تحت أقدام واشنطن والعمل على إعادة تشكيل المشهد بما يضمن نهاية للأزمة السورية ولمعاناة السوريين لا يخيم عليها شبح التقسيم.

باحث في قضايا الإرهاب والإستخبار

6