انتصار الأقباط للخيارات الوطنية مصل مجتمعي ضد التطرف

تشديد الأقباط على مواطنتهم، لم يكن فقط دليلا على استشعارهم الأخطار التي ستترتب على شيوع الفكر المتعصب، بل كان أيضا رسالة موجهة للإرهاب الذي يقسم البلاد إلى مسلمين ونصارى. انتصار المصريين المسيحيين لوطنهم مثل درسا في الاستعاضة بقيم الوطنية عن ثقافة المظلومية التي تواظب التيارات الدينية على توظيفها، ولعل زيارة البابا إلى مصر من شأنها أن تكرس تعلق كل المصريين بقيم التعايش التي سادت عبر قرون.
الخميس 2017/04/27
الوجود المسيحي الأصيل في مصر دليل على تماسك المجتمع

تبدو المتغيرات مسؤولة عن تشبث المصريين أكثر من أي وقت بقيم المواطنة، فالإرهاب أسهم في صناعة الأحداث الإقليمية الأخيرة اعتمادًا على النفاذ من ثغرة إحداث الفتنة الطائفية والمذهبية، ويتفق الكثير من المراقبين على أن الجرائم والاختراقات لم تؤت ثمارها المرجوة في مصر كباقي الدول، فتحمل المسؤولية الوطنية وتقديم المواطنة على الانتماء الديني أربكا القوى التي تقف وراء المخططات الإرهابية. ورسخ في الوعي الجمعي المصري أكثر من ذي قبل أن القضية أكبر من الطوائف والانتماءات الدينية، لأن الوطن بأكمله يواجه تحديات ومخططات غير مسبوقة، حيث أسهم انحياز الأقباط للخيارات الوطنية في تدعيم جدران المقاومة المجتمعية في وجه توغل الفكر المتطرف وتمدد التنظيمات التكفيرية المسلحة.

ويجد خبراء في إتمام زيارة فرنسيس بابا الفاتيكان للقاهرة يومي 28 و29 أبريل الجاري، في موعدها المحدد منذ فترة وعدم الاعتداد بالتهديدات، أبلغ رد من المصريين والعالم على الإرهاب، فمنهج تنظيم داعش ينبني في الأساس على إشاعة الخوف لتعطيل الحياة اليومية وتقويض المؤسسات وتفتيت النسيج المجتمعي وفقدان الشعور بالأمن والثقة بالمستقبل، في مسعاه إلى فرض نموذجه الأحادي التكفيري بالدم والمجازر.

جاء الرد المصري على الرسائل الداعشية قويًا وقد أجمع عليه المصريون، فلا شيء يخيفهم ولا أحد باستطاعته التفريق بين لحمتهم الوطنية أو هدم جسور التعايش بينهم وشعوب العالم وممثلي عقائدهم.

المفكر المصري ماجد موريس فسر التلازم بين تحمل الآلام والإصرار على تحقيق التلاحم الوطني، على أنه ليس جديدًا في تجربة الأقباط الممتدة عبر التاريخ؛ فالكنيسة المصرية معروفة بين كنائس العالم بأنها كنيسة الشهداء ولو ذكر الاسم في أي محفل عالمي يُعرف ضمنيا بإشارته للكنيسة القبطية.

محاولات تعكير العلاقة بين المصريين قديمة وأهدافها معروفة وكلما زادت ضراوة ضاعفت من تماسك المصريين

وشدد موريس على أن الأقباط وأجيالهم مهيّؤون تمامًا للتأقلم مع التحديات الكبيرة إيمانيًا ونفسيًا، فالأولاد الصغار يحفظون منذ نعومة أظافرهم ضمن التراتيل أنهم أولاد الشهداء، كاشفًا السر وراء عدم توظيفهم للمظلومية كما يفعل آخرون؛ فالأقباط هم الفئة الوحيدة في العالم التي لم تحكم نفسها، وهم على مدار التاريخ محكومون من غيرهم حتى قبل دخول الإسلام إلى مصر.

وأوضح أن المواطن المصري المسيحي لا يطمع في منصب ولا يسعى إلى الاستئثار بسلطة، فلم يكونوا حكاما يوما، لذا لا يتوسلون للحكم بمظلومية أو غيرها، وما يربطهم بإخوانهم المسلمين أقوى من أن يفت في عضده أحد، ومهما بلغت شراسة العمليات الإرهابية فستواجه بكوابح وطنية قوية.

وقال الأب رفيق جريش المتحدث باسم الكنيسة الكاثوليكية بمصر، إن الكنيسة لم تتوقف بمؤسساتها الخدمية من مدارس ومستشفيات، خاصة في الأماكن الفقيرة عن تقديم الخدمة إلى جميع المصريين حتى في أشد لحظات معاناة المسيحيين، واصفًا زيارة بابا الفاتيكان يومي الجمعة والسبت برسالة تعزية وسلام وأمل ورجاء لكل المصريين. وأكد الأب جريش لـ”العرب” أن محاولات تعكير صفو العلاقة بين المصريين قديمة وأهدافها معروفة والمستفيدون منها معروفون أيضا، وكلما زادت ضراوة ووحشية ضاعفت من صلابة وتسامح وتماسك المصريين.

وأوضح القس بولس حليم لـ”العرب” أن الإرهابيين لا يدركون طبيعة الشعب المصري وعمق تلاحمه في الأزمات والمحن، ولم يتعامل الجيل الحالي من المتشددين مع الدروس المستفادة من فشل جماعات سبقتهم في تلك المحاولات، ونجاح المصريين في صد الهجمة الإرهابية بالفعل عبر توحدهم المعهود، وما يحدث حاليًا من الإرهاب ليس إلا ردود أفعال يائسة نتيجة هزائمه.

في هذا الصدد قال الأب مينا جاد جرجس، راعي كنسية السيدة العذراء بإسنا في جنوب محافظة الأقصر بصعيد مصر، إن الضربة التي تؤلم الإرهاب هي فشله في إخافة الناس والتفريق بين المصريين.

ويقارن خبراء في شؤون الحركات الإسلامية بين مواقف تيار الإسلام السياسي ومواقف الأقباط، في إشارة إلى أن حجم تضحيات المسيحيين المصريين لم يدفعهم إلى تقديم تنازلات لقوى خارجية، ولم يعلنوا تحالفًا مضادًا للمصلحة المصرية الوطنية، على الرغم من ضخامة الاعتداءات التي وصلت حدّ الهجوم على كاتدرائيتهم في العباسية.

وتحدد طبيعة الرؤية المستقبلية لمصر حجم الفوارق بين غالبية المصريين مسلمين ومسيحيين، مقابل حالة الإسلام السياسي؛ فالرؤية العامة درست الماضي وعملت على فهم الحاضر بالبحث عن عوامل الاتفاق الممكنة لتحقيق المصالح المشتركة للأفراد والجماعات والمؤسسات داخل المجتمع، بينما تبحث جماعات الإسلام السياسي في الماضي عما تقدر به أن تنفرد بالسلطة والحكم وحدها من دون شريك، لتطبق تصوراتها الخاصة بها في أسلوب الحكم.

وكشف إفرايم يوسف عجايبي راعى كنيسة مارجرجس بالمنصورة شمال القاهرة، أن تميز مصر في التنوع والتعددية والتآخي بين الأديان، خاصة بين المسيحية والإسلام، ومن دون ذلك تفقد مصر تميزها بين الأمم.

البابا فرنسيس وجه رسالة إلى الشعب المصري قبل قدومه، معربا عن أمله في أن تكون زيارته مساهمة صالحة للحوار بين الأديان، على محور العالم الإسلامي، والحوار المسكوني مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

ولفت لـ”العرب” إلى أن الحدث أقوى بملايين المرات من الإعلام الموجه وأشد تأثيرًا من آلاف العظات والدروس والبرامج، وأن اللقاء المرتقب بين البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب مرجح أن يترك أثرًا في نفوس البسطاء أقوى من أي خطاب موجه يراد منه الرد على مقولات الإرهاب وممارساته.

مؤتمر “الأزهر العالمي للسلام” الذي بدأ الخميس بحضور عدد من القيادات الدينية من أنحاء العالم، يبعث برسالة مشتركة إلى العالم كله بأن رموز وممثلي الأديان المجتمعين في رحاب الأزهر الشريف يجمعون على الدعوة إلى السلام بين قادة الأديان وكافة المجتمعات الإنسانية، ويؤكدون انطلاقًا من الثّقة المتبادلة بينهم، على دعوة أتباع الأديان للاقتداء بهم، والعمل بهذه الدعوة يدا واحدة من أجل نبذ كل أسباب التعصب والكراهية، وترسيخ ثقافة المحبة والرحمة والسلام بين الناس.

ووجه البابا فرنسيس رسالة إلى الشعب المصري قبل قدومه، معربا عن أمله في أن تكون زيارته مساهمة صالحة للحوار بين الأديان، على محور العالم الإسلامي، والحوار المسكوني مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

وفرض الحدث نفسه أمام الناس العاديين لأنهم المستهدف الأول من الإرهاب، وعندما يعاين الملايين من الناس التآلف بين أكبر رمزين يمثلان الإسلام والمسيحية ويلمسون مدى الاحترام المتبادل، فهذا أكبر حافز يدفعهم إلى الصمود في مجابهة الغول الإرهابي، وهذا ما شدد عليه شيخ الأزهر قائلا إن الزيارة لها “مغزى كبير بعد انتشار الإرهاب التكفيري”.

13