انتصار الأناقة والفخامة في الفنون "الزماكنية"

الاثنين 2014/01/20
نموذج من العمارة الجامعة بين التكعيبية والحداثية و"الآرت نفو"

لا غرابة أن يبحث الفنان التشكيلي عن معطيات جديدة تخرج عن الحيّز المُتعارف عليه للعمل الفني. وعلى الرغم من أن تاريخ استعمال “الكولاج” يعود إلى القرن الثالث عشر للميلاد في أوروبا، إلاّ أنه كتقنية حديثة يقترن غالبا باسم الفنان الإسباني بابلو بيكاسو الذي نفذّ هذا الأسلوب في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، ثم توالت التقنية الكولاجية التي استعملها الفنانون التشكيليون لاحقاً، فزيّنوا أعمالهم الفنية بقصاصات الجرائد، والأوراق الملونة، والصور الفوتوغرافية وما إلى ذلك كي تنفتح اللوحة إلى مديات أوسع.

لا يقتصر هذا الانفتاح والتوسّع على الفنون البصرية المحسوسة كالرسم والتلوين والنحت والعمارة، وإنما يتعداها إلى الفنون الزمانية كالرقص والشعر والموسيقى، على اعتبار أن الفنون البصرية آنفة الذكر هي فنون مكانية تأخذ أشكالا محددة وتُقاس بالمتر والمتر المربع، أما الفنون الزمانية فتقاس بالثواني والدقائق والساعات، لذلك نجحت السينما بوصفها الفن السابع الذي جمع الفنون المكانية والزمانية أعلاها وصهرها في تقنيته الفنية التي تجمع بين الصفتين التشكيلية والزمانية في آن معا.

تتلاقح الموسيقى مع القراءة الشعرية أو العرض التشكيلي كي تفتح الجنسين الأدبي والفني على معطيات جديدة لم تكن تتوفر فيهما، إلا بشكل تجريدي غير ملموس مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الموسيقى الشعرية كصوت داخلي، والموسيقى اللونية كإيقاع داخلي موجودتان في البنية التحتية لكل جنس إبداعي على انفراد.


التحرر من المبالغة


لا تختلف هذه النزعة التوليفية أعلاه عما دعت إليه مدرسة الـ”باو هاوس″ الألمانية في الجمع بين الحرفة من جهة والفنون الجميلة من جهة أخرى في محاولة لتخليص الفن من الصناعة، وفك أسره من هذا الارتباط السلبي من وجهة نظر مؤسسي هذه المدرسة وعلى رأسهم غروبيوس إضافة إلى لو كوربوزييه ولودفيغ ميس، الذين كانوا يدعون بحماس منقطع النظير إلى الابتعاد عن المبالغة الزخرفية أو الغلوّ فيها.

لقد أسفرت هذه الدعوات المخلصة إلى الجانب الفني عن التبسيط والعودة إلى الأشكال الهندسية الأساسية وهي المربع والمثلث والدائرة، في محاولة جدية للتخلص من التعقيدات الزخرفية التي أشرنا إليها، والتي كانت تشكِّل جزءا أساسيا من عمارة القرن التاسع عشر. إن العمارة التوليفية الحديثة في القرنين العشرين والحادي والعشرين هي التي زاوجت بين الفنون المكانية والزمانية ودمجت بين الحرفة والفنون التشكيلية، وجاءت بشيء جديد وغير مسبوق سلفا. من هنا نفهم السبب الكامن وراء دعوة النظام النازي إلى إغلاق مدرسة “الباو هاوس” بحجة كونها عالمية الطراز أو غير ألمانية على وجه التحديد. فلقد أفادت هذه المدرسة الفنية العمرانية من المدرستين التكعيبية والتعبيرية، كما تأثرت بأفكار الفنان والمعماري الأنكليزي وليم موريس الذي دعا إلى هذا النمط من التلاقح بين الحرفة والفنون الجميلة.

يقترب “الباو هاوس” من التجريد الهندسي الذي يتمحور على الأشكال الثلاثة المتعارف عليها، وهي قريبة جدا من أعمال الرسام التجريدي كاندنسكي. وثمة تجريد غنائي كالذي نراه في أعمال بول كلي القائم على أشكال هندسية متداخلة وخطوط منحنية، حيث تتشكّل الفكرة بواسطة الألوان الرئيسة الثلاثة الأحمر والأزرق والأصفر، كما فعل موندريان في تكوينه الذي يتألف من مربعات عديدة تعتمد مبدئيا على الألوان الصريحة المشار إليها توا.


فنون العمارة


في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي أبدى الناس ميلا كبيرا إلى الطرز الفخمة والأنيقة، ومردّ ذلك إلى تأثر العمارة بموجة الـ”آرت ديكو” التي جمعت هي الأخرى بين أشكال فنية متنوعة من بينها التكعيبية والحداثية و”الآرت نفو”، الذي استوحى أشكالا تصميمية عديدة من النباتات، ولعل أبرز معالم “الآرت ديكو” هي برج كرايسلر في نيويورك، وجسر البوابة الذهبية، وقاعة المدينة في بوفالو وغيرها من المعالم التي تكشف عن جرأة المصممين في استعمال الفولاذ والألمنيوم والخشب بطريقة غير معهودة من قبل.

لا شك في أن العمارة هي أسمى الفنون وأعقدها لأنها تكاد تضمّ كل الفنون في آن معا. بدءا من أبنيتها التحتية، مرورا بإيقاعها الموسيقي، وانتهاء باللمسات الشعرية التي تنطوي على مظهرها الخارجي. والسبب في ذلك كله هو كونها توليفة للفنون المكانية والزمانية في آن واحد.

16