انتصار الإبداع بالإجماع

الجمعة 2015/03/13

فاز المغربي-ا لجزائري صلاح، كما كان متوقعا، بلقب برنامج المواهب “أراب غوت تالنت” المنتهي موسمه الرابع مؤخرا. حين تقدّم صلاح، الملقب بـ”ذا إنترتينر”، لعروض تجارب الأداء الأولى في البرنامج العربي، قادما من المطار مباشرة إلى مسرح العرض، سأله الفنان أحمد حلمي، عضو لجنة تحكيم البرنامج، هل رقصت سابقا؟ فأجاب: نعم، رقصت كثيرا في اليابان وكوريا والصين وتايوان وسنغافورة وفي كلّ مدن الولايات المتحدة الأميركية وكامل أوروبا، وطبعا في فرنسا حيث أقيم.

كانت إجابة كفيلة لوحدها بإبراز موهبة الراقص حتى قبل أن يرقص، فالرجل الذي قدّم على امتداد عمر البرنامج استعراضات تمتزج فيها الفكاهة باللياقة البدنية والمرونة الجسدية، متفوّقا بأشواط على كافة منافسيه، هو راقص محترف بكلّ ما تحمله كلمة احتراف من موهبة وتدريب وجهد وعرق.

صلاح، الملقّب بالعنكبوت، بدأ رحلته في عالم الرقص عام 1995، كراقص شارع، يؤدّي عروضه في كثير من العواصم الأوروبية، لينتقل إثرها إلى المسارح العالمية محترفا، بل ومبتكرا أصلا لأنماط من الرقص لا يعرف سرّها إلاّ هو. وصلاح، الذي سبق له الفوز بلقب البرنامج في نسخته الفرنسية سنة 2006، ليكون أوّل مشترك يحصد اللقب في نسختين مختلفتين من برنامج واحد، هو أيضا صاحب مشاركات تمثيلية في أكثر من فيلم فرنسي، كما شغل عضويّة لجان التحكيم في برامج ومسابقات عالمية عديدة.

والسؤال هنا: أيّ دافع جعل محترفا مثله، يشارك في برنامج اكتشاف مواهب للمبتدئين والباحثين عن موطئ اعتراف بمواهبهم؟ الإجابة عن هذا السؤال أتت في تقرير قدّمه البرنامج في عروض الأداء الأولى للمتسابق للتعريف به، حيث قال “أنا هنا لأتحدّى نفسي، أريد أن أنطلق من الصفر، وأودّ أن أرى مدى تأثير ما أقدّمه في المجتمع العربي الذي إليه أنتمي”.

إلى هنا تبدو إجابة صلاح مقنعة ومحفّزة للمتابعة بل ومؤثرة أصلا، فأن يُقدِم فنّان من الجيل الثالث للهجرة على مغامرة أشبه بالمقامرة باسمه وبطولاته في برنامج اكتشاف مواهب عربي، قد ينجح فيه وقد يخفق، رغم أنّه كثيرا ما كان الخصم والحكم في مواضع أخرى، فإنّ في ذلك أكثر من رمزيّة وعبرة!

أشعر صلاح جمهور البرنامج بتمسّكه العميق بهويته وبانتمائه إلى هذا الوطن العربي، فهو إليه ينتمي، وإليه عاد مغامرا ومقامرا، ليختتم رحلته منتصرا ومحقّقا ثلاثة نجاحات في نجاح واحد:

أوّلها، تقديمه رسالة مضمونة الوصول إلى من يهمّه الأمر، مفادها أنّ في صفوف أجيالنا الثانية والثالثة وربّما الرابعة للهجرة، طاقات مبدعة وخلاّقة، تصنع الفرجة والفرح والحياة، وتتحدّى ما توسم به في الغرب من تشدّد، وترفع راية هويّة ووطن بات متهما عند بعضهم بأنّه عدوّ للحياة.

وثانيهما، أنّ في فوز صلاح باللقب، صلاحا للذوق الجمالي العربي، من الماء إلى الماء، فقد انتصر التصويت هذه المرّة لا للهوية أو الجنسية أو للشوفينيّة القُطْرية، وإنّما للجدارة والتميّز والإبداع، وخاصة بالإجماع.

وثالثهما، أنّ هذا الفنان المتشبّع بتنوّع الثقافات حقّق من حيث لا يدري، والأرجح أنّه يدري، معادلة صعبة قلّما تجتمع في مشترك واحد، أساسها أنّ طريق النجاح، أيّ نجاح كان، يبدأ بالتواضع وينتهي بانتزاع الاعتراف بالتفوّق حتىّ من مناهضيه، الذين اعتبروا أن في مشاركة هذا الفنّان المحترف ظلما لبقية المتسابقين الهواة.

في النهاية بقي أمر لا بدّ من تبيانه لتكتمل صورة الصلاح عند صلاح، وهو ضرورة ألّا تنتهي مغامرته مع وطنه العربي الكبير بمجرّد فوزه باللقب، وحصوله على سيارة فاخرة و500 ألف ريال سعودي، بل عليه أن يُثري الفنّ العربي بإنشاء أكاديمية لتعميم سرّ موهبته الخارقة على الناشئين، وتعليمهم معنى التعب الممزوج بالتواضع القادر على صنع العجب.


صحفي تونسي

17