انتصار الرأسمالية المطلقة بين رف الكتب

الأحد 2016/08/21
الليبرالية المتفصية من القواعد والقيود

بعد “الفكر المزدوج”، صدر أخيرا للفيلسوف الفرنسي جان كلود ميشيا كتاب “ألغاز اليسار: من مُثل الأنوار إلى انتصار الرأسمالية المطلقة”، وهو كتاب يكمّل ويبلور عملا سابقا عنوانه “عقدة أورفيوس”، والغاية هي تفكيك الأيديولوجيا المهيمنة حاليا، والتأكيد على أن الانحراف المجتمعي لليسار الحالي، الذي تخلّى عن المسألة الاجتماعية والشعب، يجد جذوره في العلاقة التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر بين اليسار والاشتراكية، ولم يكونا وقتها مترادفين، بل بالعكس.

فاليسار التاريخي، ممثلا في الليبرالية الفلسفية للأنوار، أدى إلى الليبرالية المتفصية من القواعد والقيود، أي رأسمالية القرن الحادي والعشرين، التي تعارض الصراع الاجتماعي والشعبي، وهو صراع وقع التعتيم عليه باسم النمو والتقدم. حتى أن الناس صاروا يتندرون في وصف الليبرالي “المنسجم” حسب طروحات اليسار الحالي بكونه “ذلك الذي يملك قلبا على اليسار وحافظة نقود على اليمين”.

في قلب داعش

كمال رضواني صحافي ميداني ومنتج أفلام وثائقية ومخرج، استطاع أن يتسلل خلال الأعوام الأخيرة داخل الجماعات الإسلامية، والتقى بأفراد كانوا أعضاء فيها أو غادروها، وقد قدّم شهادة مرعبة عن تنظيم داعش، الذي قضى داخله أربع سنوات، ليساعد القارئ على فهم الأسس الأيديولوجية التي يقوم عليها هذا التنظيم الإرهابي، والطرق التي يستعملها في الحشد والتعبئة والتغرير بشبان من كلّ الأصقاع، والهيكلة الإدارية التي وضعها لتسيير البقاع التي بسط نفوذه عليها، وما هي القدرات التي يمتلكها، والأهداف التي يرمي إليها من خلال الدفع بشبان العرب المهاجرين إلى أعمال عنف. هذه التجربة، دوّنها رضواني في كتاب بعنوان “إنسايد داعش- عشر سنوات من البحث الميداني في قلب داعش” صدر أخيرا عن منشورات أرتو بباريس.

المسلم فوق العادي

بعد “الإنسان فوق العادي” الذي ابتكره نيتشه، يقترح فتحي بن سلامة في كتاب “رغبة جامحة في التضحية” مصطلح “المسلم فوق العادي”، ضمن تحليله لشتى أشكال التطرف باسم الإسلام، هذا المصطلح ينطبق على من استجاب لحتمية لاواعية ذات آثار رهيبة، ظهرت وانتشرت خلال القرن العشرين، وهي أن يصبح مسلما فوق العادي.

من الأصولية التي يفترض أنها سلمية إلى الجهادية، هذه الحتمية ربطت وفاء المسلم وكرامته بسلوكيات تقتضي منه أن يقوّي إيمانه درجات، عن طريق إيذاء أخلاقي تجاه ذاته، وقسوة تجاه الآخر. وإذا كان من المعاني السامية لعبارة “مسلم” التواضع والخشوع، فإنها هنا تفرض أن يُظهر المرء عظمته ككائن لا يُقهر بوصفه مسلما.

وهذا تجلّى من خلال زبيبة على الجبين، الصلاة على قارعة الطريق، تميز في الجسد والهيئة، كعلامات تشهد بالقرب من الله. هؤلاء المسلمون فوق العاديين صاروا ينطقون باسم الله وينفثون كرههم على كل من ليس له إيمان صلب كإيمانهم.

14