انتصار تخلف عنه الشباب المصري

الاثنين 2014/01/20

تحدث كما تشاء عن المعاني والإشارات والرسائل الإيجابية التي كشف عنها الاستفتاء على مشروع الدستور المصري الأسبوع الماضي، لكن لا يمكن تجاهل أن نسبة الإقبال الجيدة في هذا النوع من الاستفتاءات غابت أو تخلفت عنها شريحة مصرية مهمة. شريحة الشباب، التي ساهمت بدور فاعل في ثورة 25 يناير 2011، وأكملته في ثورة 30 يونيو الماضي. الأمر الذي يستحق وضعه تحت مجهر سياسي. ومهما حاول البعض إحصاء كم وكيف الانتصار الذي تحقق في الاستفتاء على الدستور، فالمؤكد أن غياب فئة مؤثرة من شباب حرك المياه الراكدة من قبل، له أسبابه السياسية ودوافعه المنطقية.

الملاحظة السابقة احتلت مساحة واسعة في القراءة السياسية للاستفتاء، وأقلقت دوائر رسمية رفيعة، كانت تتصور أنها قريبة من تطلعات الشباب، وربما معبرة عن أمنياتهم وأحلامهم، وينبع القلق من زاويتين:

الأولى، العودة إلى العزلة والانزواء وفقدان الثقة في التغيير وتلاشي الرغبة في الإصلاح، وإسقاط مرارات الماضي على الحاضر، وتصوير كل ما يجري من تحركات وتطورات على أنه تكرار لتجربة ثبت فشلها.

والثانية، التفاف هذه الكتلة الحرجة خلف خطاب تحريضي يائس ومحبط، يمكن أن يؤدي إلى انفجار مجتمعي جديد في المستقبل القريب، يخلط الأوراق ويربك الحسابات، ويمنح جماعة الإخوان فرصة أو طاقة نور، ويعزز الرهان على الصدام، وعدم استبعاد حدوث قدر من الفوضى والانفلات.

إذا كانت المعاني الإيجابية توقف عندها كثيرون، فإن هذه الدلالة السلبية بحاجة إلى مزيد من التفصيل. فهي لم تأت صدفة، بل جاءت نتيجة لجملة من المقدمات والاعتبارات، أحدثت تأثيرها في تقديرات الشباب. وأبرزها، الحضور المرتفع خلال الفترة الماضية، لعدد من الرموز الإعلامية والسياسية التي عملت إلى جوار الرئيس الأسبق حسني مبارك ورفاقه، بصورة أقلقت الشباب الذين ساهموا في تفجير الثورتين. والمشكلة أن الرموز البغيضة بدت متعالية وعلى درجة مخيفة من الغطرسة، وقال أمامي أحدهم: “كلها شهران ويعود كل شيء إلى أصله”، إشارة إلى العودة لنظام مبارك. وقد واصل البعض العزف على هذه النغمة بوسائل مختلفة، ما أزعج جهات حكومية، وجعلها تبعث برسائل لقريبين منها تؤكد على استحالة عودة نظام مبارك، بأي صورة من الصور. والمسألة فقط هدنة وتوظيف لمهارات وإمكانيات هذا الفريق، يصعب إيجاد غيرهم في الوقت الراهن للقيام بهذا الدور. بمعنى أن المعركة لا تزال محتدمة مع الإخوان، وفلول الحزب الوطني هم الطبقة الأكثر استعدادا والأشد شراسة للخلاص نهائيا من ذلك “العفريت”. لكن هذا الدور يبدو أنه فُهم خطأ، من القائمين به والمشاهدين له، وأحدث دويّه في نفوس الشباب.

المشكلة أن الظهور الكثيف لرموز كانوا في الحزب الوطني المنحل، اتخذ شكلا انتقاميا، أبرز تجلياته وضحت في فضيحة التسجيلات التي أذاعتها بعض القنوات الفضائية، وتتعلق ببعض الوجوه التي لمعت إبان ثورة 25 يناير، وبينت التسجيلات وجود علاقات نسائية مشبوهة لعدد منهم واتصالات مع جهات خارجية، تصل إلى حد التآمر والتخابر وتلقى أموال وفيرة. الأمر الذي تسبب في تلويث سمعة عدد من الرموز الشبابية، ودق جرس الإنذار لآخرين، قد يأتي الدور عليهم في أي لحظة، ووسيلة لردع كل من تسوّل له نفسه الوقوف في وجه طوفان الإعلام والأمن وترتيبات سياسية تحاك في الظلام.

والخطورة أن قطاعا كبيرا من الشباب شعر أن التسجيلات المسربة خرجت بأوامر من جهات رسمية، لردع النشطاء، على الرغم من نفي وزارة الداخلية صلتها بها، بالتالي بدت المشاركة في الاستفتاء، بنعم أو لا، صك امتياز لكي يستمر الصعود السياسي لفريق التسجيلات، لذلك انحاز جزء من الشباب إلى خيار المقاطعة، ليوصل رسالته لمن يهمه الشأن. وبالفعل وصلت الرسالة، وعرفت من مصادر رفيعة أن توجيهات صدرت بفرملة الهجوم الكاسح على شباب ثورة يناير.

من جهة أخرى، شعر هؤلاء الشباب أنهم أصبحوا في نظر المجتمع، بسبب الحملات الإعلامية، شركاء في مؤامرة وليس ثورة، وحتى لو كان هناك متآمرون فعلا، فمن الظلم التعميم، وتوارى كثيرون عن الأنظار، خوفا من التعرض لإهانة علنية تصيبهم وأسرهم بالعار. وحتى شباب “تمــرد” الذين أشعلوا شرارة ثورة 30 يونيو وكان يعول على حضورهم في الاستفتاء، أصابتهم أمراض غالبية الحركات السياسية، انقسام وصراع على الغنائم، وذاب دورهم الملحوظ في لجنة الخمسين التي أعدت مشروع الدستور.

وكانت معظم الحشود التي ذهبت إلى التصويت، تنتمي للمرأة والعمال والفلاحين والشيوخ، وشريحة مهمة من هؤلاء أدلوا بأصواتهم بناء على توجيه سياسي، من رجال أعمال وموظفين كبار وفلول الحزب الوطني أيضا، أكثر من الذهاب بصورة عفوية.

الصورة بهذه الطريقة، جعلت تخلف الشباب محل اعتبار ودراسة من قبل مسؤولين في الدولة، بدأوا عملية مراجعة عاجلة لهذه الظاهرة، التي حتما ستقلق الساكن المنتظر لقصر الاتحادية، لأن غياب الشباب أو تغييبهم، معناه فقدان الأمل في المستقبل، والتقوقع حول الماضي. لذلك قد تشهد الأيام المقبلة تكتيكا جديدا يقوم على رفض الانسياق وراء حرب التسجيلات أو الفضائح، وربما محاكمة أصحابها للتخلص من ضجيجهم، وطمأنة الشباب الشريف، وتهيئة التربة لانخراط عدد منهم في دولاب الدولة، والقضاء على الشكوك التي تساور البعض تجاه شخصيات الوطنية.


* كاتب مصري

8