انتظار حدوث الأسوأ فن لا يجيده إلا القليلون

حدوث الأمر السيء ليس أصعب من اللحظات التي تسبق حدوثه؛ لحظات الانتظار والخوف والقلق والترقب وقد لا يختلف الأمر كثيرا إذا كان هذا الانتظار لنتيجة فحص طبي أو نتيجة امتحان في الجامعة أو مقابلة عمل أو لمكالمة هاتفية من مكان بعيد لمعرفة نتيجة حادث أصاب أحد أفراد الأسرة.
الأربعاء 2016/02/10
وقوع المصائب أفضل من انتظارها

الانتظار في كل الحالات يصبح حملا ثقيلا بمرور الوقت خاصة إذا كانت التوقعات غير مطمئنة، ويرى بعض المتخصصين أن الضغط النفسي المتولد جراء قسر المرء على الانتظار الطويل للاستماع إلى الأخبار السيئة، هو أشد وقعا من إخباره صراحة بأن شخصا ما يحبه مصاب بالسرطان.

ويتساءل البعض، هل أن هذا النوع من الضغط النفسي لا يمكن تجنبه؟ أو هل هنالك طرق أخرى لقضاء فترة الانتظار الوجيزة أو الطويلة، من دون الوقوع في شرك الخوف والقلق العاليين؟

في بحث حديث نشرت نتائجه في مجلة “العاطفة” الأميركية، توصل باحثون إلى بعض الاستراتيجيات التي يمكن أن يتبناها الأشخاص للتقليل من حدة الإجهاد النفسي الذي يسبق توقع سماع الأخبار السيئة.

وعرّفت كيت سويني ومجموعة من زملائها الباحثين في ريفرسايد، في جامعة كاليفورنيا الأميركية، الاستراتيجيات الرئيسة الثلاث التي يتم بموجبها التعامل مع الإجهاد والقلق المتولدين بسبب الفترة الزمنية التي تسبق انتظار سماع أخبار سيئة أو غير ذلك، وهي: محاولة التهوين من وقع النتائج، إعادة تقييم الحدث وتنظيم العاطفة.

أما محاولة التهوين من الأخبار فتعني التهيؤ لجميع الاحتمالات ونتائجها؛ وهي تشبه الاستعداد الذهني المسبق لمواجهة مستقبل مجهول بوساطة تقييم مجموعة من النتائج المحتملة ومحاولة التعامل معها (إذا تطلب الأمر)، فالشخص الذي يجري نتائج فحص لمرض خطير يمكنه أن يتعامل مع الموقف العصيب بانتظار النتيجة وذلك بتوقع أسوأ الاحتمالات والعمل على معالجتها مثلا بالقراءة والتثقيف الذاتي بمزيد من المعلومات عن المرض وطرق العلاج وتكلفتها، وغير ذلك من التفاصيل التي تحمل معنى المواجهة الاستباقية، التي تشغل حيزا كبيرا من التفكير وتخفف من الضغط النفسي المصاحب لعملية الانتظار المزعجة.

أما الاستراتيجية الثانية فهي تقوم على مبدأ إعادة تقييم الحقائق والمعلومات التي يحملها الناس مسبقا عن الأشياء التي تحدث أو التي يتسبب توقع حدوثها في كل هذا القلق والترقب، وهذا يمثل عملية إدارة التوقعات في الاتجاهات المختلفة التي تتناسب مع طريقة تفكيرنا.

لا يمكن مقارنة القلق الذي يسببه انتظار نتائج امتحانات مع المشاعر النفسية، التي تسبق انتظار فحص السرطان

في حين، تعتمد الاستراتيجية النهائية على تنظيم مشاعرنا وذلك باستخدام طريقة “الإلهاء” من خلال ابتكار وسائل ومواضيع تشغلنا عن التفكير في المشكلة الرئيسة، فالانشغال في عمل مفيد أو تقديم يد العون للآخرين سيقدم نتائج إيجابية في اتجاهين أحدهما يعني استغلال الوقت في عمل مثمر وثانيهما يعني تخفيف حدة الضغوط النفسية في مرحلة الانتظار والترقب.

وأظهرت الدراسة التي تكونت عينتها من 230 طالبا في السنة النهائية من كلية القانون في جامعة كاليفورنا، أثناء انتظارهم لنتائج الامتحان النهائي، أن الاستراتيجيات الثلاث كان لها تأثير طفيف في مجموعة من الطلاب الذين وقعوا في شرك الضغوط النفسية والاستجابة العاطفية في فترة انتظارهم لنتائج الامتحان التي امتدت لأربعة أسابيع.

من ناحية أخرى، فإن الطلاب الذين كانوا متشائمين وقضوا فترة الانتظار في توقع الأسوأ أظهروا استعدادا نفسيا أكبر لتقبل النتائج، مقارنة بالطلاب المتفائلين الذين وقعوا تحت تأثير مشاعرهم حتى أن استخدامهم للاستراتيجيات الموصى بها لمواجهة الانتظار أتى بنتائج عكسية تماما؛ فمع استخدامهم استراتيجية الإلهاء مثلا بإشغال تفكيرهم بعيدا عن الامتحان وكل ما يتعلق به، كان شعور القلق أثناء فترة انتظارهم أكثر سطوة.

وتعتقد كيت سويني بأن استخدام استراتيجية “الإلهاء” كمحاولة للتغلب على القلق سيكون مجديا بصورة أكبر، فيما لو استخدمت في منتصف الفترة الزمنية للانتظار، وفي هذه الدراسة تحديدا يفضل عدم تطبيقها إلا بعد مرور فترة وجيزة على أداء الامتحان، فيما لا يحبذ استخدامها قبل فترة قليلة جدا من النتائج، فالقلق سيكون على أشده عند اقتراب لحظة الحقيقة ولا يمكن بأي حال التخلص منه بأي وسيلة كانت.

عموما، أشار الباحثون في التوصيات الأخيرة للدراسة إلى أن هذه النتائج لا يمكن أن تمثل تطبيقا علميا معتمدا لاستراتيجيات الانتظار؛ فلا يمكن مثلا مقارنة القلق الذي يسببه انتظار نتائج امتحانات مع المشاعر النفسية العنيفة، التي تسبق انتظار فحص السرطان أو انتظار خبر عن حادث أصيب به أحد أفراد العائلة في مكان بعيد عن المنزل، كما أن تطبيق هذه النظرية قد يصبح أمرا شبه مستحيل في المواقف التي تفصل بين الحياة والموت. ويوصي متخصصون بضرورة إجراء بعض الدراسات في هذا الإطار في ما يتعلق بدور الأهل والأصدقاء في توفير هذا الظهير من الحماية النفسية وتقديم الدعم اللازم للشخص الذي يعاني من القلق أثناء فترة انتظار أو توقع لأخبار سيئة.

وفي نهاية الأمر، فإن الأخبار إذا كانت جيدة فإن القلق سرعان ما يتلاشى وكأنه مجرد ذكرى مزعجة، أما إذا كانت الأخبار سيئة فإن الفرد كان قد تهيأ لها مسبقا بالتعامل مع مشاعر متناقضة وضغط نفسي هائل وبالتالي، قد يسهل عليه التصدي لما هو أسوأ. ولعل فترة الانتظار بذاتها هي الأسوأ على الإطلاق.

21