انتظار مقدّس

الأربعاء 2015/02/11

الانتظار قرين اللوعة، لوعة الشوق أو الانعتاق، للأحسن أو الأسوإ، لا يهم، الأساس هو الخلاص من ساعات وأيام يضحى الحساب فيها عذابا، ينضاف إلى محنة الجسد المركون دون حركة. الانتظار درس فني، لأن من غير تخيّله جماليا، لا يمثُل إلا كفراغ غامض، ذاك ما تعلمنا إياه صوفيا لورين في فيلم “يوم خاص جدا”. وهو المعنى ذاته الذي استقطره تشكيليون عالميون عبر أنثى جالسة، شاردة بنظرها إلى لا شيء، حيث لا بارقة ولا لهب، فقط سراب ممتد، وظلال داكنة، وكتل خرساء. لعل أحدث تلك الأعمال الفنية لوحة الأميركي “دانييل جيرهارت”: “انتظار غادة”، التي تحضن فيها فتاة هرا أسود، وتمسك بحافة نافذة مقفلة، مشرئبة بنظرها إلى الأفق المغبّش؛ يبدو الزجاج غير كاشف ولا شفاف، على النقيض من جبلته، برغم تدفق الضوء منه إلى محيا الأنثى المنذورة للانتظار.

واليوم، في عالمنا العربي الجريح، الخارج من أحلام الثورة إلى كوابيس الاستبداد، لم يعد ثمة أمد للانتظار ولا حدّ، لقد تحوّل من محطة عبور إلى مرسى نهائي، فالترقب المفعم حياة، والمصطخب حركة وسؤالا، بات من غير كنه، فارقه شعور الشوق إلى القادم، الثاوي ببطن الغيب، وصُيّر قهريا إلى ثبات سرمدي، لا يغذي الطموح إلى الأفضل، ولا الرغبة في التغيير، بقدر ما يفاقم هواجس الخنوع، والاستسلام للعنة الخوف والجوع، والصبر على الخصاصة الدائمة، تحول إلى “انتظار قيامي” بعد أن كان توقا دنيويا.

والشيء الأكيد أن ثمة -على الدوام- تناقض كبير بين الانتظار الفطري للخلاص بالموت، ومسار الحضارة الإنسانية المبني أساسا على انتظار الأفضل، في العدل والمساواة والحرية، وبدهي أن تكون الرؤية الأولى هي سلاح “الاستبداد” في تأبيد “القدرية”، إذ تصوّر الحياة بوصفها امتحانا للصبر على المظالم، والقدرة على كبت الرغائب الطبيعية في الرفاه والسعادة، على العكس من الرؤية الدنيوية التي تناضل لأجل الرفعة والتخلص من الحيوانية والكلبية. لهذا كان “الانتظار” سلوكا سياسيا، قبل أن يتجلى كمبدإ أخلاقي أو عقدي.

وفي مجمل العقائد توجد شخصية “المنقذ” أو “المهدي” أو “المسيح” الذي “تنتظره” البشرية للخلاص، ولعل السمة الغالبة على هذا الانتظار أنه ذو عمق عاطفي مثقل بالخطيئة والندم، شيء مختلف عن انتظار “فلاديمير” و”أسراغون” لـ”غودو” في مسرحية “صامويل بيكيت”، لكن ما يجعل ذلك الانتظار المقدس طريقا ملكيا إلى الجحيم، هو نفسه المبدأ الذي يجعل الديكتاتور مستكينا إلى ديمومته، فمن ينتظر المخلص لن يخلص نفسه يوما، سيبقى حاميا وفيا للاستبداد، لا يفرق معه أن يعيش أو لا يعيش، أن يتنعم أو يشقى، المهم أن يكون جاهزا لنهاية العالم.


كاتب من المغرب

15