انتظار مهيض ومنقذ لا يجيء

السبت 2016/04/16

تتنوّع أسماء المخلّصين أو المنقذين أو المحرّرين المنتظرين، وتتعدّد صفاتهم، وحساسياتهم، وملابسات شعورهم، وقسمات وجوههم المتوهّمة، وسماتهم العقائدية والفكرية، وملامح رؤاهم المستقبلية، بقدر تنوّع الثقافات والدّيانات والشّعوب وتعدُّدِ المنظورات الوجودية والرؤى للعالم التي تبثّها هاته الثقافات والديانات عبر اعتناقها، أو الأخذ بها، من قبل الشّعوب التي أبدعتها، أو التي أخذتها عن غيرها تحت ضغط ضرورات أخذتها إليها.

ولا ريب في أنّ التباينات الثقافية والاختلافات العرقية والدينية والمذهبية والسياسية والقبلية وغيرها، قد لعبت دورا لافتا في إحداث هذا التّنوّع والتّعدّد والتَّغاير؛ فاليهود وبعض النّصارى وبعض المسلمين ينتظرون عودة “المسيح”، مع تصوّرهم وجود تغاير في هوية هذا المسيح المنتظر إلى حدّ التناقض الذي يتطلَّب اليقظة العالية، وحسن الإدراك في تدقيق العلامات، لتفادي خديعة السقوط في مهاوي “مسيح دجّال”!

ولدى الأعم الأغلب من فرق الشيّعة، وبعض أهل السّنة، من المسلمين، اعتقاد بعودة “المهدي المُنتظر” الذي تتباين وجوهه، وتتعدّد أسماؤه، ما بين قريشيّ من آل البيت عموما أو من سلالة أولاد الحسين بن علي تحديدا، أو حطّاني، أو سفيانيّ، أو كليبيّ، أو تميمي، أو غير ذلك؛ بحيث يجري اصطفاء واحد فقط من بين هؤلاء المهديين المنتظرين، ليكون هو “المهدي الحقيقي” المنتظر من قبل الجماعة التي تتبنّاه جاعلةً من انتظاره مكونا عقيديا تأخذ به نفسها، فلا يكون كلّ آخر سواه إلا مهديا زائفا، قميئا وملعونا، أو رديفا آخر لذاك “المسيح الدّجال”!

وفيما ينتظر مسيحيو الحبشة عودة ملكهم “ثيودور”، فإنّ المغول ينتظرون عودة “جنكيزخان” أو “تيمورلنك”، أما المجوس فينتظرون، وفق الأساطير أو الخرافات أو الدّيانات الفارسية، عودة “أشيدربابي” أحد أتباع “زاردشت” الذي منه نبع المخلّص النيتشوي الشَّهير الذي بشأنه “تكلَّم زرادشت” مع نيتشه، والذي أرجعه نيتشه إلى الإله الإغريقي “ديونيسوس” الذي رأى فيه المنقذ الأوّل والأخير، بل رأس سلالة المنقذين وآخر تجلياتها، هذا الذي سيأتي من ماض بعيد لينقذ الإنسانية من حاضرها المأساوي، المتمدّد في واقعها الرّاهن، عبر إيقاظ أسطورة غافية تأخذ الإنسان إلى مستقبل حرّ طليق يخلّصه من حضارة جفّفتها العقلانية الجرداء فوسمتها بالتّوحش والشَّراسة.

وعلى نقيض ما تتضمّنه، وتروّج له، قصص المخلّصين ونبوءات ظهورهم المشبعة بالاضطراب الكوني والاحتراب والدّم، فإنّ الخلاص النيتشوي الديونيسوسيّ إنما يتحقّق بعودة الإنسان إلى أحضان الطبيعة البكر وصفائها الأوّل، ليعود إلى نفسه السّامية المفعمة بروح وثّابة، ووعي جديد، يؤسّسان لانبثاق إبداع إنسانيّ خلاق يملأ الأزمنة فنونا، ويبثّ في فضاءات الوجود أنغاما ذات إيقاعات موسيقيّة خلَّابة تثَوّر المجتمعات الإنسانيّة، وتنهض من العدم الحياة!

وإننا لنلاحظ أنّ مصادر تكوين المخلّصين المنتظرين تتنوّع ما بين رؤية أسطورية قديمة، أو دينية، كتابيّة أو مبتدعة، أو أدبيّة إبداعية، ملحميّة أو سيريّة، أو فلسفية خلاصية تبشيرية؛ كما أننا نلاحظ أنّ أسماء المخلّصين تتعدّد، فيما أمداء الأزمنة والقرون، التي يتوجّب على هذه الجماعة أو تلك من النّاس أن تمكثها ممعنة في انتظار مجيء مخلّصها الذي لا يجيء، تتمدّد وتتسع وتزداد غموضا!

وفوق ذلك، فإنّ الأمكنة والمواضع والحالات التي يتصوّر المنتظرون أنّ مخلّصهم مقيم فيها الآن تتنوّع وتتباين ما بين موت سيولد منه هذا المخلّص؛ أو خفاء سيخرج عنه؛ أو جدارين صلدين احتجز جسده بينهما في انتظار فرج سيأتي مع سقوطهما؛ أو حفرة عميقة معتمة ورطبة سدّت فوّهتها عليه ليصعد منها حين يشاء، أو حين يشاء له، أن يرفع بساعديه، المفتولين بقوّة الغاية التي ينشدها، تلك الصخرة العملاقة التي تسدّها؛ أو سماء سيهبط من شاهق أعاليها على جناحي براق من نار ونور!

كاتب من فلسطين

16