انتظروا..

الخميس 2013/10/03

المكر الإسلاموي الحاكم في السّودان انقلب على عقبه مرّات لا تُعدّ لكي لا ينقلب عليه غيره، انتهز كل الذرائع لينجو من غضب الناس ويعود بعد كل انقلاب إلى هرم السلطة سالماً غانماً، أحرق البلاد والعباد، فرّط في إقليم الجنوب الغني بالنفط والأمطار، وتفرّغ باسم الشريعة لجلد النساء في إقليم الشمال الفقير إلى رحمة السماء، ويكاد اليوم يُضيع إقليم دارفور لقاء البقاء فيما تبقّى له من السلطة.

تحالف مع الجيش ثلاث أو أربع مرات متتاليات، وعوض بناء وطن قوي بدّد كل طاقاته لكي يحول السودان في ظرف وجيز من سلّة غذاء العالم إلى بلد يتضوّر جوعاً. أوهم شعب السّودان الطيب بدنو ساعة البركات، فكانت أولى مؤشرات البركات تلك العصا "المباركة" التي يحملها عمر البشير في صولاته وجولاته، ويهشّ بها على شعبه وله فيها مآرب أخرى.

ترتبط العصا بعقيدة الطاعة ولزوم الجماعة، لذلك يقال عن الإنسان حين يتمرّد، إنّه شقّ عصا الطاعة. والعصا تحيل إلى ثقافة رعاة الإبل والغنم وهي تجعل الحاكم يشعر بأنه راع كما ينبغي وأنه سيُسأل عن رعيته كما يُسأل الرّاعي عن غنمه، يكفيه أن يهشّ بعصاه ذات اليمين وذات الشمال حتى يستعيد الغنم إلى حظيرته. وأما ارتباط العصا بتطبيق الشريعة فقد عُرف ذلك مع الرّئيس الأسبق جعفر النميري، الذي تلقى عصاه "المباركة" من أحد الشيوخ. هل كان في الواقع أم في المنام؟ لا يهم. المهم أن الشيخ أوعز له بأن يحرص عليها لأن بها سيفتح الله عليه مُلكاً لا يبلى؛ يكفي أن يهشّ بها على الجمهور أو يدق بها الأرض حتى يضمن حسن الإصغاء كما الحال بالنسبة لعصا خطيب الجمعة. وكان من بركات العصا أنها ألهمت الرئيس المؤمن جعفر النميري بـ"تطبيق الشريعة" بدءا بقطع الأيدي وانتهاء بقطع الأرزاق.

وعلى منهاج النميري يختزل عمر البشير السلطة في عصا لا يتركها في صولاته وجولاته، يلوح بها في خطاباته، يهش بها في غضباته، يرقص بها في فرحاته، يحملها معه في حله وترحاله ويأنس بها في كل حركاته وسكناته، ولا شك أنه يظنّ أن تركها ولو لدقيقة واحدة هو من قبيل ترك السلطة.

اليوم، وقد شقت ثورة الحرية عصا الطاعة العمياء، فهل سيتمسك الفريق عمر البشير بعصاه المشقوقة حتى الرّمق الأخير من السقوط الأعمى؟

بالفعل، الشعب السوداني طيب ويعدّ من أكثر الشعوب انخداعا بالمظاهر الدينية، لكنه أيضا وبسبب إيمانه الفطري فإنه لا يقبل أن يلدغ من نفس الجحر الإسلاموي مرّتين. هي الثورة السودانية أيها المتلاعبون بالمشاعر الدينية. انتظروا.

24