انتظروا حروبا أخرى

الجمعة 2014/10/10

لماذا أُعلن عن قيام دولة الخلافة الإسلامية على جزء من الأراضي السورية والعراقية، ولم يُعلنْ عن قيام تلك الدولة على جزء من الأراضي التركية أو الإيرانية أو الأندونيسية مثلا؟

ألأن العرب هم مادة الإسلام الأولى، ومنهم انطلقت دولة الخلافة الإسلامية الأولى وبهم توسعت؟

دمشق وبغداد كانتا عاصمتي تلك الدولة في أرقى مراحلها، ولكن إسطنبول كانت المقر الأخير لتلك الخلافة، أما كان من الضروري أن تمسك دولة الخلافة بنهاية الخيط بدلا من أن تعود إلى بداياته؟

ثم هل يصلح عرب اليوم، وهم الذين يعيشون أسوأ مراحل تاريخهم وأكثرها انحطاطا وفقرا وجهلا وتخلفا، مادة لقيام دولة جديدة للخلافة، تكون محط ازدراء وسخرية واستهجان المجتمع الدولي؟ أبهذا الشعب المذل والمكسور والجاهل والمهان والمستلب تباهي دولة الخلافة الأمم؟

كل ما ورد من الاسئلة إنما ينتمي إلى عالم افتراضي يجافيه الواقع.

ما حدث على أرض الواقع، أن دولة الخلافة لم تكن سوى مزحة أطلقها شخص مجهول، انتحل اسما يليق بخليفة معاصر هو أبو بكر البغدادي في خضم حروب، صارت تتناسل وتتراكم بطريقة عمودية، بحيث تقع كل واحدة منها فوق ما سبقها من الحروب لا لتمحو آثارها، بل لتكرسها في النفوس.

غير أن كل تلك الحروب ما كان يمكن أن تقع لولا الغزو الأميركي للعراق الذي وقع عام 2003. لم يلوث ذلك الغزو التربة والهواء في العراق بأسلحته المحرمة ويغير المناخ فحسب، بل وأيضا صنع مزاجا شعبيا طاعنا في كراهيته ورغبته في الانتقام.

لم يكن ذلك التحول ممكنا من خلال الغزو العسكري وحده، بل أصبح كذلك من خلال ماكنة دعائية هائلة الحجم والتأثير، سمحت الولايات المتحدة لإيران في أن يكون لها نصيب منها، وهو النصيب الذي استلهم من خلاله العراقيون مفردات جحيمهم.

لقد أطلقت سلطة الاحتلال الأميركي أيدي الميليشيات الشيعية الوافدة من إيران لتكون في ما بعد معادلا موضوعيا للمنظمات والشركات الأمنية التي تم استقدامها من أفغانستان ومن دول شقيقة أخرى.

ألم تصرح الإدارة الأميركية، غير مرة، أنها اختارت العراق ملعبا لمنازلة الإرهاب؟

أما حين قامت الاحتجاجات السلمية في سوريا عام 2011، فقد كان ذلك الحدث مناسبة للتوسع في استقدام المتطرفين الإسلامويين من مختلف أنحاء الأرض ليكونوا مادة لحروب جديدة. حروب تتشظى أفقيا فلا عدو ثابت فيها.

بالنسبة لما انطوى عليه مخطط الغزو الأميركي فإن الحرب لذاتها كانت هدفا. من السذاجة التساؤل عمَن يقتل مَن؟

العرب المسلمون يقتل بعضهم البعض الآخر، وفي ظل ذلك القتال سيكون على الأقليات الدينية والإثنية أن تدفع ثمن تمسكها بالبقاء في أوطانها الأصلية.

وإذا كانت الحرب العالمية الحالية، التي تتزعمها الولايات المتحدة، قد شنت من أجل الدفاع عن حق تلك الأقليات في البقاء في أوطانها، فإن ما يجري على الأرض يؤكد أن الضربات الجوية لم تمنع تنظيم “داعش” من تهجير المسيحيين والإيزيديين والأكراد من قراهم ومدنهم.

هي إذن حرب أخرى تضاف إلى سلسلة الحروب التي شهدتها المنطقة، ويمكن توقع أن تكون هذه الحرب حاضنة لحروب مقبلة، لن يكون تنظيم “داعش” طرفا فيها.

سينسى المجتمع الدولي يومها دولة الخلافة وتنظيم “داعش”، ليتفرغ لما يمكن أن يخترعه خيال الشر من مسميات لمواد الحروب المقبلة.

ليست حرب الولايات المتحدة على “داعش” هي آخر الحروب التي تشهدها المنطقة. الأكثر بؤسا وتعاسة أن تكون هذه الحرب أولى الحروب في منطقة تقع فيها إيران مثل لغم يوزع شظاياه بين الدول العربية التي قُدّر لها أن تكون في محيطه.

سيكون الرهان على اختفاء دولة الخلافة الإسلامية مضحكا، فهي دولة من كلام، غير أن الحرب عليها وما تنتجه تلك الحرب من حروب، سينتج واقعا مأساويا صار على الشعوب أن تعيشه.


كاتب عراقي

9