انتظروا في العام 2039 عالما شموليا يتحكم بمصائر البشر

فيلم "القسم 19" للمخرجة أس. هيلوود يحمل المشاهد إلى عالم ما بعد الحياة الرقمية والذكاء الاصطناعي ولكن في نفس الوقت يضعه أمام مجتمع تفشت فيه الجريمة وضاعت القيم.
الاثنين 2019/04/22
العيش في خوف دائم

لا شك أن سؤال المستقبل سوف يبقى حاضرا بقوة لفهم شكل الحياة بعد عدة عقود وكيف ستكون صورة وسلوك الإنسان آنذاك، فضلا عن المدن وطريقة العيش فيها والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي وما إلى ذلك من علامات المستقبل.

تشعّبت التجارب في سينما الخيال العلمي في مقاربتها بالبعد المستقبلي وصورة الحياة والإنسان، ولكنها لم تتعد نوعين من المعالجات، النوع الأول أظهر مجتمعا متطورا للغاية يتحكم فيه الذكاء الاصطناعي وتنتشر فيه الكائنات الآلية ونصف الآلية نصف البشرية، ولم يعد هناك مجتمع، بل أفراد مكشوفون تلاحقهم الشاشات العملاقة أينما حلّوا، حيث باتت هوياتهم وتفاصيل حياتهم معلومة لدى الجميع، من ذلك أفلام: “المجهول”، “الفاني”، “ماتريكس”، “آي روبوت”، “إيكس ماشينا”، “متسابق المتاهة”، وغيرها.

أما في النوع الثاني من أفلام الخيال العلمي المستقبلي فثمة الديستوبيا القاتمة القائمة على فكرة خراب الحياة ودمار المجتمعات وأشكال شتى من الانحطاط والضياع، ومنها أفلام: “أوتوماتا”، “بابيلون آي دي”، “عالم قوي شجاع”، “إيليسيوم”، “المعطي”، “لعبة الجوع”، “الحلقي”، “مادماكس”، “التطهير”، وغيرها.

ومن الممكن أن نصنف فيلم “القسم 19” للمخرجة أس. هيلوود على أنه ينتمي إلى خليط من النوعين، إذ أن الحياة الرقمية والذكاء الاصطناعي يكونان قد وصلا إلى مرحلة متقدمة ولم يعد كائن بشري غير مكشوف ولا معرّف لدى السلطات، ولكن في نفس الوقت أصيب المجتمع بدمار عظيم وتفشت الجريمة وضاعت القيم. هنا سوف تتحول الحياة الشخصية إلى متعة جماعية ومنها الحياة الأكثر تشويقا وهي حياة المجرمين والخارجين على القانون.

وبالنسبة إلى النوع الأول، وهو المجرمون القابعون في السجون، تجري متابعة حياتهم اليومية بدقائقها من خلال شاشات عملاقة تنتشر في كل مكان في بث حي ويتعرف الناس على أسماء المجرمين ويعرفون ملامحهم، في المقابل، يجب أن يكون كل إنسان معرّف أمام الذكاء الاصطناعي وكاميرات المراقبة وطائرات الدرون، ويجب تعقّب الجميع من خلال خلية دقيقة مزروعة في الجسد ومن لا ينخرط في هذا النظام فإنه يكون خارجا على القانون.

وتقع الأحداث افتراضيا في عام 2039، والشخص الوحيد التائه في وسط هذا النظام العجيب هو هاردن (الممثل جامي درافين)، فهو خليط بين الإنسان السويّ وبين المجرم، وفي كل الأحوال يجري تعقّبه على أنه خارج على القانون ويتم إطلاق مراهنات تقودها نيلسن (الممثلة إليسون دودي)، وتعرض الشاشات المنتشرة في كل مكان أعداد المشاهدين والمراهنين وهي تتصاعد فيما الكاميرات تلاحق تلك الشخصيات.

في الأثناء، وفي ظل هذا العالم الشمولي المغلق تتأسّس مقاومة شرسة اسمها “القسم 19” تطالب بإيقاف عمليات التعقب والقراءة الإجبارية للبصمات وعرض الحياة اليومية للسجناء على الشاشات، فضلا عن محاكمة الفساد.

بالطبع يعرض كل ذلك على شاشات عملاقة وهي تلعب في هذا الفيلم دورا مهما، إذ هي أداة التواصل بين السلطات وبين الناس، لكنها أيضا لا تحمل غير إلهاء الناس بقصص المجرمين وجعلهم يعيشون في خوف دائم.

يتم استخدام المكان ببراعة في هذا الفيلم، بل لعل هندسة وبناء المكان وجغرافيته هي أبرز ما في الفيلم، إذ تم استثمار أسطح البنايات العالية للتصوير من أعلى وإظهار الناس وهم أقزام أمام تجبّر النظام الذي يقوده شكليا تشارلس ليندن (الممثل لينوس روش)، ولهذا يقع الصراع بين الرئيس وبين نيسلن التي تقود الترويج التجاري وتخدير المجتمع.

وامتدادا للمعالجة المكانية المميزة يتم تعقب رتل السيارات المحصنة للشرطة وهي تحمل مجرمين خطرين لغرض ترحيلهم إلى سجن آخر، وحيث ينتقل العشرات من مسانديهم عبر أسطح العمارات متعقبين سيارات الشرطة حتى يتسلقوا أعلى الأبراج ويتمكنوا من إطلاق المجرمين في سلسلة مشاهد مصنوعة بعناية وذات جمالية مميزة.

الشاشات العملاقة تلعب في الفيلم دورا مهما، فهي أداة التواصل بين السلطات وبين الناس، وهي التي تلهيهم بقصص المجرمين

وفي مشاهد لاحقة يحاول جامي الالتحاق بشقيقه ناش (الممثل ويل روثهار) من أجل إنقاذه، لأنه مراقب على مدار الساعة بواسطة خلية مزروعة في حنجرته، فيتم تعقب لقاء الشقيقين من خلال العديد من الكاميرات وسط مشاهدات مليونية ومراهنات إلى ماذا سوف يؤول مصيرهما؟ مع محاولة جامي انتزاع خلية التعقب من حنجرة شقيقه لتنتهي بموته على يديه في مشهد دراماتيكي مؤثر.

ولا شك أن تشعّب خطوط السرد والمساحة العريضة التي فرشت عليها المخرجة، وهي نفسها كاتبة السيناريو، قصتها وغياب شخصية كارزماتية تقود الأحداث وتجمع الخطوط السردية من حولها وتصبح هي محور الدراما الفيلمية، كل ذلك شكّل ضعفا في البناء الفيلمي.

فإن كانت قصة الفيلم بدت مقنعة لجهة زمن الأحداث الافتراضية بعد عدة عقود من الآن واستخدام صيغة الحكومة الشمولية التي تحصي على الناس أنفاسهم تاركة إياهم غارقين في الجريمة والفقر والتخلف، إلاّ أن الصعود بالأحداث إلى مواجهة مع القوة المقابلة لم يتحقق إلاّ مع تهديد “القسم 19” بقطع التيار الكهربائي وما إلى ذلك.

وبدت الشخصيات في “القسم 19” بصفة عامة هائمة على وجهها، فهي لا تنتمي فعليا إلى مجتمع محدد ولا تؤمن بقيم محددة، إلاّ إذا استثنينا أفراد “القسم 19” الذين يقتفون أثر الثوار المتمردين في نمطية لم يتم البناء عليها كثيرا فيما بعد، بينما كان بالإمكان استثمارها بطريقة مختلفة تخدم البناء الدرامي للفيلم.

16