انتفاضات الشعوب تفضح المشروع الصفوي الجديد

المذهب هو الأساس في تحديد أولويات حزب الله وهو حصان طروادة في فقه المشروع الفارسي، الذي يسعى إلى بناء إمبراطورية صفوية جديدة.
الاثنين 2019/11/11
الصورة اتضحت تماما

حتى وقت قريب كان يمكن للبعض أن يقتنع ببعض مبررات الدفاع عن مواقف حزب الله اللبناني من الملفات الإقليمية. اليوم لم يعد ذلك ممكنا، فالصورة اتضحت تماما. كل مواقف الميليشيا التي تحاول أن تتخفى وراء بنية حزبية، تشير إلى أنها مجرد ذراع عسكرية وعقائدية مرتبطة بنظام الملالي في طهران، ومواقفها وقراراتها تنبع من مصالح الأمن القومي الإيراني لا غير.

نحن أمام مشروع يحاول منذ العام 1979 تشكيل حضوره السياسي والاجتماعي والعسكري والاقتصادي عبر مشروع توسعي في المنطقة العربية. هو في الأصل عنصري فارسي، لكنه يستفيد من طائفيته في كسب تعاطف بعض الشيعة العرب، وخاصة في لبنان التي كان لعلمائها الدور الأكبر تاريخيا في نشر التشيع الاثني عشري في إيران بعد قيام الدولة الصفوية في أوائل القرن السادس عشر.

كانت إيران قبل ذلك تدين بمذهب السنة ولم يكن فيها سوى أربع مدن شيعية (آوه، قاشان، سبزوان، قم). وعندما تم تتويجه ملكا على إيران في العام 1502 أعلن إسماعيل الصفوي المذهب الشيعي مذهبا رسميا للدولة، وفرضه بقوة السلاح وسفك دماء مئات الآلاف من السكان، حتى أن المؤرخ السنّي قطب الدين النهروالي، أكد أن الصفوي “قتل خلقا كثيرا لا يحصون عن ألف ألف نفس” أي أكثر من مليون شخص.

موقف حزب الله من تلك الأحداث لم يكن يهتم بالشعوب بقدر ما كان مرتبطا بحسابات ومصالح الطائفة أولا

لجأ إسماعيل الصفوي بعد ذلك إلى علماء جبل عامل في لبنان لنشر التشيع الاثني عشري في بلاده. يقول الباحث حسن غريب “رأى مؤسس الدولة الصفوية أنه من العسير عليه أن يوفر للناس حقيقة المعتقد وترسيخ مبادئه في نفوسهم، ووجد أيضاً أن الكتب غير متوفرة، فعمد إلى ملء الفراغ من خلال استحضار علماء الشيعة من جبل عامل… وأصبحت استمالة علماء جبل عامل للتوجه إلى إيران من السياسات الأساسية للحكومة هناك، وهكذا استمرت هجرة العلماء العامليين منذ ذلك الحين”.

بمعنى آخر، يمكن القول إن ترسيخ المذهب في إيران كان وراءه علماء لبنانيون، نالوا منزلة كبيرة لدى الدولة الصفوية التي أغدقت عليهم بالعطايا والهدايا على شكل أملاك وأموال نقدية وعينية، وأصبحوا جزءا من بنيتها العقائدية ومرجعيتها الروحية والسياسية.

إشارة كهذه تجعلنا ندرك طبيعة العلاقة الحالية بين نظام الملالي، الذي يعتبر نفسه الوريث الشرعي للصفوية، وحزب الله الذي يعتبر نفسه امتدادا لناشري الاثني عشرية في إيران، والذي لم يخف زعيمه حسن نصرالله ذات يومه أن هدفه هو أن يكون لبنان جزءا من دولة الولي الفقيه.

وتتضح الصورة أكثر عندما ننظر في الجهة المقابلة إلى التيارات الدينية السنية وميليشياتها في أكثر من بلد عربي، والتي ترتبط بتركيا الأردوغانية المتطلعة لاستعادة طموحاتها التوسعية مستحضرة بذلك إرثها العثماني، ما يؤكد أن الوطنية لا مكان لها في فكر الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني.

عندما اندلعت ثورات ما سمي بالربيع العربي في العام 2011، بادر حزب الله بدعم انتفاضات شعوب تونس ومصر وليبيا واليمن ضد أنظمتها، لكن موقفه تغيّر عندما اشتعلت انتفاضة سوريا. في تلك الحالة وقف مع النظام ضد الشعب، وكان واضحا في دعمه غير المحدود للحراك الطائفي الذي شهدته البحرين، كما كان مساندا أصيلا للانقلاب الحوثي ضد الشرعية في اليمن.

نحن أمام مشروع يحاول منذ العام 1979 تشكيل حضوره السياسي والاجتماعي والعسكري والاقتصادي عبر مشروع توسعي في المنطقة العربية

موقف حزب الله من تلك الأحداث لم يكن يهتم بالشعوب بقدر ما كان مرتبطا بحسابات ومصالح الطائفة أولا، وهذا ما تبيّن مؤخرا من قراءته للأحداث في لبنان والعراق، حيث كان موقفه أبعد ما يكون عن الوطنية، وأقرب ما يكون للنظرة الطائفية الضيقة في علاقتها بالمشروع الإيراني في نسخته الصفوية الجديدة.

يتضح اليوم جليّا أن المذهب هو الأساس في تحديد أولويات حزب الله، وهو حصان طروادة في فقه المشروع الفارسي، الأمر الذي أدركته الشعوب، التي قررت أن تنتفض ضد المشروعين. ما يحدث في العراق ولبنان أثبت أن الشيعة أنفسهم لم يعد لهم أي اقتناع بالطائفية السياسية، التي تدوس على رقابهم، لذلك نعتهم نصرالله بشيعة السفارات، ونعتهم الفرس بشيعة الإنكليز.

لقد أساء حزب الله وإيران لقضايا الشعوب، وفقدا كل صدقية كانا يدعيان التعبير عنها، فلا هما مع الحرية والانعتاق، ولا مع الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإنما هما مع مشروعهما التوسعي العدواني، الذي يستهدف المنطقة ويسعى إلى بناء إمبراطورية صفوية جديدة بنفس آليات إسماعيل الصفوي قبل 500 عام.

8