انتفاضات الشوارع العربية أقوى من الآلات العسكرية

تمكنت السلطات الأمنية في العراق وإيران ولبنان سابقا من إجهاض احتجاجات متعددة، لكنها تجد نفسها الآن أمام توازنات مختلفة، لا تنفع معها القوة المفرطة.
الاثنين 2019/11/18
نفاذ صبر الشارع العربي

لكل زمان أدواته، ولكل مرحلة طقوسها، ولكل شعب أدبياته في التغيير. مضى الوقت الذي كان فيه القائد العسكري، أول من يستيقظ في أوقات الأزمات ليقبض على جميع المفاتيح الرئيسية للسلطة في الدولة، إلى أن يسقط بنفس الطريقة تقريبا. جاء وقت يتطلب فيه الأمر خروج حشود كبيرة في الشوارع والميادين كي يحدث التغيير، والتغيير المضاد.

تنطبق هذه المعادلة، إلى حد كبير، على دول العالم الثالث، وتكاد تتحول إلى قاعدة. قد تنطلق التظاهرات بدوافع اقتصادية، كما حدث في لبنان والعراق وأخيرا إيران، لكنها سرعان ما تتحول إلى اعتراض على نمط حياة سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية، حتى تصل إلى المطالبة بسقوط النظام ورؤوسه الفاعلة.

يستمد الحراك الشعبي زخمه من تمادي السلطة في استخدام القوة الخشنة، ويزداد سخونة مع كل قطرة دماء تسيل على الأرض. لم تعد الجماهير تخشى القبضة الأمنية أو تهاب بطش الكتائب والعصابات المسلحة، وأصبحت لديها طاقة غريبة على الصمود.

يقول لسان حالها “احلموا بعالم سعيد. فخلف كل متظاهر يموت متظاهر جديد. وخلف كل ثائر يموت: أحزان لها جدوى”. مع الاعتذار بالطبع للشاعر المصري الراحل أمل دنقل، شاعر الرفض والمقاومة، الذي قال في قصيدته كلمات سبارتكوس الأخيرة، وكتبها عام 1962 “لا تحلموا بعالم سعيد. فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد. وخلف كل ثائر يموت: أحزان بلا جدوى. ودمعة سدى”. وهي قصيدة مليئة بإسقاطات وترميزات تحتاج إلى قراءة سياسية معاصرة.

تغيرت أمور كثيرة في المنطقة العربية، وأصبحت حركة المنتفضين في دول كثيرة أقوى من الآلة العسكرية التي يتم اللجوء إليها عند أول بادرة للاحتجاجات. ومع أن التجربة أثبتت أن الأدوات المسلحة فقدت دورها كرأس حربة للسيطرة على عقول الناس، أو على الأقل لم تعد مجدية في الوقت الراهن مع انتشار العدوى السريعة للتظاهرات التي تنتقل من بلد إلى آخر، غير أن الحكومات لم تتوقف عن استخدام فائض القوة وعن توجيهها إلى صدور المحتجين.

كان الناس في مصر يقولون “أن تأتي متأخرا، خير من ألا تأتي أبدا”. اليوم بات لسان حال كثيرين يقول “أن تأتي متأخرا فخير لك ألا تأتي أبدا” حيث لا فائدة من المجيء. وهي العبرة التي يمكن استخلاصها من الثورات التي ضربت بعض الدول، حيث تظل الحكومات تتباطأ وتتحايل وتناور وتراوغ في الاستجابة لمطالب الجماهير، وعندما تعي الدرس وتفهم دلالاته وتجد أنه لا مفر من الاستجابة ترتفع الطموحات وتنتقل إلى مربع أشد ألما. مربع عدم التهاون في التمسك بالرحيل التام للطبقة السياسية.

لست في حاجة لتكرار مشاهد سابقة من مصر وتونس وليبيا واليمن، وأخرى تدور رحاها في العراق ولبنان وربما إيران، حيث يرتفع سقف الأهداف السياسية وتتكرر السيناريوهات، ويتم إعادة السردية الأمنية بحذافيرها، وفي النهاية لا مناص من التجاوب مع حركة الجماهير. وحتى لو نجح البطش والتدمير والفتك بالشباب عبر الآلة العسكرية لمرحلة معينة، فمن المؤكد أن رسائله سوف تستمر، ويتم استكمالها في مراحل لاحقة.

يخطئ من يتخيل أن العراق ولبنان وحتى إيران غدا، سوف تكون هي ذات الدول بالأمس، فالتظاهرات لم تعلن عن مخاضها النهائي بعد. وسواء نجحت في تحقيق مطالبها أو تعثرت، ففي الحالتين أحدثت صدى واسعا في الدول التي ضربتها، وقد تفرز واقعا يصعب أن يتجاهل دروسها. فالضربات السياسية التي ظهرت معها كفيلة بهز بعض الهياكل الرئيسية، وإجبار المسؤولين فيها على مراجعة تصوراتهم وممارساتهم.

تمكنت حكومات عراقية وإيرانية ولبنانية في أوقات ماضية من إجهاض حركات احتجاجية متعددة بخبرة الأدوات الأمنية المتراكمة. لكن السلطات في هذه البلدان تجد نفسها الآن أمام توازنات مختلفة، لا تفلح معها القوة المفرطة، ولا يرضخ فيها المتظاهرون للخنوع مع الإسراف فيها، لأن هناك متغيرا رئيسيا دخل المعادلة التقليدية. متغير الأجواء الإقليمية المحفزة على التظاهرات المرتبطة معنويا بالعامل الإيراني، الأمر الذي يؤدي إلى نتيجة متقاربة.

نظريات المؤامرة الخارجية، التي يستخدمها المسؤولون لتبرئة ساحتهم، وجلْب تعاطف وهمي معهم، لم تعد تلقى رواجا لدى كثيرين، وجرى تفريغها من مضمونها، بسبب وجود عوامل كامنة في الداخل، كفيلة بتفجير طاقة الغضب، دون الحاجة لأصابع خارجية.

ولم تعد حيلة الطرف الثالث، التي ترددها بعض الحكومات كشماعة تعلق عليها فشلها تنطلي على أحد. ومع ذلك لا تزال تقفز على السطح مع كل احتجاجات ترتفع هنا أو هناك. وهي في جوهرها تدين الجهات التي تعزف على نغمتها، وهي غالبا جهات رسمية أو قريبة منها. إذا كانت أجهزتها الأمنية عاجزة عن اكتشاف الطرف الخفي والقبض على عناصره فهي مصيبة، وإذا كانت تعرفه وتتجاهل فضحه فالمصيبة أعظم.

تقول القاعدة البوليسية في كشف الجرائم الغامضة، ابحث عن المستفيد، وإذا طبق ذلك من السهولة أن تضع كل سلطة يدها على من يقومون بالتقتيل والقنص والتفجير في أي بلد تحتدم فيه التظاهرات، حيث يزداد الاعتماد على الآلة العسكرية، التي تجاوزها زمن التكنولوجيا، وأصبحت غير صالحة لبقاء رؤوس من يلجأون إليها فوق أكتافهم. فالديناميكية التي تتحرك بها الجماهير الغاضبة كفيلة بالصمود والتحدي، بعد أن تجاوزت الخطوط، ليصبح التراجع خيانة لدماء الشهداء وتصريحا بمزيد من الاستهداف المجاني.

أفلحت الدول التي التحمت فيها المؤسسة العسكرية جيوشها مع نبض الجماهير. وخسرت تلك التي التصقت فيها بالسلطة الحاكمة، لتفتح أبواب انهيارهما معا، لأن عدم الاحتفاظ بهامش من الحركة المستقلة يفضي إلى طريق مسدود.

هناك شواهد تؤكد أن مصر، نجت بنفسها في الموجة الأولى، عندما انحاز جيشها لمطالب المتظاهرين ولم يشتبك معهم في ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013. وفي الموجة الثانية انحاز الجيش السوداني إلى الحراك الثوري في أبريل الماضي، وصمم على عزل الرئيس عمر حسن البشير بعد ثلاثة عقود تمترس خلالها في السلطة.

لو اختارت المؤسسة العسكرية في كل من مصر والسودان خيارا بديلا، مثل اللجوء إلى انقلاب مباشر والاستحواذ على السلطة، أو الدفاع عن الجالس على مقعد رئيس الجمهورية حتى آخر نفس، لكان المصير شبيها بمصير سوريا واليمن وليبيا.

ذلك هو اليوم جوهر مأزق الدول التي تشهد احتجاجات، لأن جيوشها أخطأت ولم تحتفظ بمسافة بينها وبين السلطات الحاكمة، بل اندمجت معها في السير وتيرة واحدة. ولم تحرص المؤسسة العسكرية على نسج وشائج قوية مع الشارع تجعلها طرفا محايدا وبعيدة عن مرمى نيران المتظاهرين.

هذه واحدة من التحديات الدقيقة، التي تواجه الموجة الحالية من التظاهرات، التي لم تستوعب بعض الجيوش دروس الموجة الأولى من الثورات. وأصبح استمرار الضغوط الشعبية حتى ترضخ السلطات الحاكمة للمطالب كاملة، يحمل في طياته خطورة كبيرة. ويكمن ذلك في الانتشار الكثيف للسلاح الرسمي وغير الرسمي في تلك البلدان، في ظل تركيبة اجتماعية وطائفية معقّدة، وافتقار المعارضة للقيادة الواضحة والتنظيم المحكم، رغم امتلاكها لأدوات فعّالة في حشد غضب الجماهير.

9