انتفاضة أكتوبر تعيد الحياة إلى الأغنية العراقية

الأغنيات العراقية الجديدة أداة ثقافية وفنية تقاوم السلطة الجائرة وتشدّ من عزم الثائرين.
الخميس 2019/12/26
الموسيقى صوت الحرية (لوحة للفنان تحسين الزيدي)

رافق الحراك الشعبي في العراق مظاهر حضارية خلاّقة، حيث تخللت المظاهرات والاعتصامات المفتوحة المنددة بالفساد السياسي مظاهر ثقافية وفنية متنوعة، في إثبات حي لريادة الفن والثقافة في رغبة التحرر عند الشعوب. أشكال فنية عديدة من رسم ومسرح وموسيقى وأدب ورسم وغيرها لا تزال إلى الآن في ناصية الحراك.

النكسة التي أصابت الأغنية العراقية بعد 2003 كانت بليغة جدا. حتى يمكن القول إن السلطة وممنوعاتها الكثيرة بمحاربتها للفن والجمال والإبداع، هي أحد الأسباب السالبة التي قتلت روح الأغنية وأشاعت جوا سيئا حولها، حينما تحولت الحالة الفنية إلى مراث وحسينيات دينية وصخب شعري هجين، أتاحت المجال للمتطفلين والطفيليين أن يتسيدوا المشهد الغنائي لكن بطريقتهم التي حاولوا معها غسل أدمغة الشباب، وتصوير الحياة على أنها بكائيات ولطم على الصدور وشق الأزياء في بدع لم يشهد العراق لها مثيلا على مر تاريخه السياسي والفني والاجتماعي.

وهذا من صريح الحالة التي عشناها طوال ستة عشر عاما. حيث أصبح الغناء في سراديب كهنة السياسة ومعممي الفتنة الطائفية.

عودة الفن

في ظرف أقل من شهرين تمكّن شباب أكتوبر من أن يعيدوا الكثير من الجمال إلى الحياة العراقية في مجالات ثقافية متعددة؛ كفنّ الشارع الذي زينوا به نفق الساحات والأرصفة، والقصائد ذات الطبيعة الحماسية التي تُلقى على الجماهير بمكبرات الصوت. والمكتبات المجانية التي تدعو إلى المعرفة. ومسرح الفرجة الذي يستقطب المتظاهرين وهو ينتقد فساد السلطة المعمّمة. وأخيرا أعادوا الروح للأغنية العراقية الميتة منذ ستة عشر عاما بطريقة راقية وبارعة، تمكنت من أن تستحوذ على نسبة مشاهدَة عالية، وباتت تتردد على ألسنة الناس في كل مكان، مشيرة إلى عصر فني جديد أنتجته ساحة التحرير بأصوات شبابية ألهبت الحماسة الوطنية وشاعت بشكل سريع في أروقة المجتمع العراقي، وأصبحت أغنيات أكتوبر ذائعة الصيت وهي تستقدم بطولات الشباب العراقي في المطاولة والصبر والتحدي وهو يواجه أعتى سلطة فساد مرت بتاريخ البلاد.

الشباب المنتفضون أعادوا الروح للأغنية العراقية الميتة منذ ستة عشر عاما بطريقة راقية وبارعة نالت متابعة هامة

مناخ ساحة التحرير كمكان. والمناخ العام في المجتمع هيّأ الكثير من الانفتاح النفسي للطاقات الشبابية أن تعبّر عن خلجاتها وفرحها بطريقة سليمة. بلا رقابة سلطة لا تحترم الفن وتعدّه من الكبائر. وبالتالي إنّ شيوع الأغنيات الوطنية والرومانسية هو رد مناسب لشرخ هذه القطيعة القسرية التي تسببت بها السياسة الدينية بوجهها الطائفي الذي تسبب بكل هذا الحِراك الشعبي.

وعلى هذا التوقيت امتلأت ساحة التحرير وساحات العراق وجسورها الكثيرة بفيض غنائي شبابي وأسماء جديدة من الملحنين والمطربين وهي تشد من عزم الثائرين وتنتصر للغد الذي يرتجله شباب وفتيان بغداد والمحافظات الجنوبية على وجه التحديد بطريقة أربكت السلطة والفاسدين معها. مما يعني أن الأغنيات الجديدة هي أحد الأسلحة الجاهزة التي طالت وتطاولت على سلطة العمامة المغلقة، لتفتح المجال الكبير لحرية التعبير وانتقاد المسؤولين وتشيد بمناقب انتفاضة الثورة.

ومع هذا الطيف الرومانسي المتسارع، يمكن أن نشير إلى علامات هذا الفن الغنائي الجديد الذي ولد في ساحة التحرير وفق معطيات يمكن اختصارها بالمدّ الجماهيري العارم الذي أعطى زخما مضاعفا للانتفاضة منذ أيامها الأولى وحتى الآن. وهذا المدّ كان يترنم بالأغنيات الحماسية القديمة والشعر الشعبي المغنّى والهوسات العشائرية ذات الطابع الوطني التحريضي، بشكل أذكى القرائح ووطّد صلته الروحية بمجريات الانتفاضة وشبابها. مما جعل من المَلَكات الشعرية والغنائية أن تتفتح في هذا السياق الاعتباري وتنضم إلى الصوت الشعبي، مجسّدة الخطوط العامة والخاصة لهذا الفعل الثوري المستمر. وكانت الأغنية مفتاحا لبث الحماسة في صفوف الجماهير.

أيقونات بارزة

الموسيقى وقود الثورة
الموسيقى وقود الثورة

منذ انتكاسة الأغنية العراقية بعد 2003 وضياع المواهب بالهجرة أو الاعتكاف أو اليأس من إصلاح الحال، كان الفراغ الفني في الغناء واضحا، فشاعت أغنيات الابتذال الرخيصة ذات المفردات السطحية والتوجهات الرومانسية الساذجة لطارئين على الأغنية، تلك التي تحاكي المرأة بأسلوب فج يخلو من اللياقة الاجتماعية والأدبية، وعبر ستة عشر عاما من هذا الخواء الغنائي تم إغلاق هذا الملف شعبيا وفنيا؛ غير أن الانتفاضة الأكتوبرية أعادت صورته بشكل راق جديد. فيه من الألفة الاجتماعية والوطنية العالية ما جعلت الحالة الشعبية تنتعش من جديد.

وتعود العفوية الراقصة بشكل جميل مع النبرة الوطنية التي صدحت في حناجر المنشدين والهواة الشباب، عندما خرقوا الممنوع السياسي بجلبابه الديني، ومن ثم التخلص من إرث فني سابق فيه من الميوعة ما جعله إرثا غير مقبول في الشارع الاجتماعي، وانتقاء مفردات وطنية لها فعل الشد وشحذ الهمم وفتح مسالك التجديد بطريقة بارعة، لتكون هذه الأغنيات وبالأسماء الجديدة أحد المعطيات الثقافية التي نفخر بأنها وُلدت من رحم الانتفاضة وانتمت إليها.

يمكن تشخيص معطيات أخرى في هذه الأغنيات الجديدة أهمها التغني بالمنجزات المتحققة التي واظب الشباب على استحصالها بالصمود الأسطوري حتى اليوم بالرغم من آلة القمع الوحشية التي مارستها السلطة. وبالتالي التغني ببغداد كونها مركز ثقل العراق الانتفاضي بحيوية معتصميها ومتظاهريها، ويقينا أن الأمجاد البطولية القديمة بتاريخيتها المعروفة تطلُّ بين بعض الأغنيات لتذكير الجماهير بفرشة عريضة من المقاومة والاستبسال التي كانت عليها البلاد. وهي إشارات موضعية، لكنها صريحة في دفع الموقف الشعبي الرافض للفساد السياسي إلى أقصى مدى من الصبر وانتظار التغييرات التي تشير الوقائع إلى حتمية حدوثها.

ثلاثة معطيات أخرى تناولتها الأغنية العراقية الجديدة كأيقونات بارزة في هذا الحِراك المتشعب بين المحافظات الجنوبية، وهي ساحة التحرير بوصفها المكان المركزي للتظاهرات، لما حملته من مضامين رمزية غير خافية على أحد، لاسيما وأن “نصب الحرية” ينتصفها، بما يشكله من علامة فنية تنتصر للحرية وتدافع عنها. ثم المطعم التركي الذي صار قلعة صامدة حتى اليوم.

ومن ثم لم تغب عن هذا الفيض الغنائي موضوعة (التُك تُك) ذي العجلات الصغيرة الذي كان له ولا يزال دور استثنائي في إمساك الجسور والتعبئة العامة في التظاهرات، والذي كُتبت وغُنّيت له الكثير من الأغنيات الحماسية، المُشيدة بدوره البطولي وبشبابه الصغار الذين قدموا تضحيات غير قليلة لتستمر الانتفاضة. حتى أصبح رمزا أدبيا وثقافيا نتوقع أن تتناوله أعمال سردية في الوقت التالي لهذا الحراك المتواصل.

14