انتفاضة أكتوبر 1988: ربيع الجزائر ودوامة الفوضى

كل المؤشرات، اليوم، تؤكد أن ربيع الجزائر 1988 فقد أزهاره واحدة بعد أخرى، منذ أن دخلت البلاد نفق أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية، ضاعفت، في السنتين الأخيرتين، من خطورتها محاولة إشعال فتنة طائفية في الجنوب لتعود البلاد، بعد 27 عاما، إلى النقطة التي انطلقت منها انتفاضة أكتوبر، وسط تساؤلات الجزائريين عن أسباب استمرار الأزمة وفشل تحقيق مطالبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
الجمعة 2015/10/09
27 عاما على انتفاضة أكتوبر 1988 والأزمة مستمرة

رغم مرور 27 عاما على انتفاضة أكتوبر 1988 في الجزائر، إلا أن ألغاز هذا الحدث لازالت مبهمة، وما عدا الإجماع على حالة النكوص عمّا حققته ثورة الشباب من حرية وتعددية وانفتاح سياسي، فإن الاعترافات والاتهامات المتبادلة بين المعارضة والفاعلين في السلطة، لم تجب إلا نسبيا عن الاستفهامات القائمة.

وإلى حد الآن لا يعرف الجزائريون هل كانت الانتفاضة عفوية أم مخططا لها؛ ولا يعرفون خلفيات وأسباب سقوط أكثر من 500 ضحية ومئات الجرحى، ولا حتى إن كانت انتفاضة جياع بعد تدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية، أم هي ثورة من أجل الحرية والديمقراطية ضد سلطة القمع والأحادية الحزبية والسياسية المتواصلة والتي أدخلت البلاد في دوامة فوضى تهدد باندلاع انتفاضة جديدة مستلهمة من انتفاضة 5 أكتوبر 1988.

وأعادت التصريحات الأخيرة لعدد من رموز السلطة والمعارضة في حقبة الثمانينات، بمناسبة مرور 27 عاما على انتفاضة أكتوبر 1988 في الجزائر، الجدل مجددا حول الأحداث التي أدخلت البلاد في دوامة من العنف لم تخرج منه إلى غاية الآن. وجاء تشابه الظروف الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية التي عاشتها الجزائر في الثمانينات، متزامنا مع ما تعيشه في الأشهر الأخيرة بسبب تداعيات الأزمة النفطية على الجبهة الداخلية، وانسداد الأفق السياسي الناجم عن العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة، ليعيد طيف أحداث أكتوبر للأذهان وسط تصاعد الأصوات المحذرة من تكرار نفس السيناريو، لكن ضمن أوضاع داخلية وظروف دولية أخطر بكثير من تلك التي أحاطت بانتفاضة الثمانينات.

ويشكل التعتيم الممارس على انتفاضة أكتوبر 1988، أحد أوجه الفشل في تتويج تضحيات الشبان الجزائريين. ولازالت الإفادات المعروضة على الرأي العام، مجرد قراءات متباينة تتراوح بين التبرئة والاتهامات المتبادلة بين الرموز السياسية والأمنية والعسكرية الفاعلة آنذاك، دون أن تستند إلى حقائق موثّقة لإثبات أو دحض هذه الفرضية أو تلك.

ولعل من أبرز هذه الإفادات تلك التي قدمها منذ أيام الجنرال المتقاعد حسين بن حديد، الموجود في السجن بتهمة حيازة سلاح وذخيرة بصورة غير شرعية والمساس بمعنويات الجيش. لكن، بغض النظر عن خلفيات سجن الجنرال وجهره بمعارضة سلطة الرئيس بوتفليقة، فإن الرجل اعتبر “اكتساح جبهة الإنقاذ المحظورة لانتخابات 1991 ما كان ليتحقق، لولا الدعم الخفي من إدارة الجنرالات الفاعلين في المؤسسة العسكرية والأمنية آنذاك، الذين كانوا يدفعون بالرئيس الراحل الشاذلي بن جديد للغرق في مستنقع جبهة الإنقاذ، من أجل الانقلاب عليه”.

وأضاف بن حديد في الإفادة التي أوقف بعدها مباشرة مطلع الشهر الجاري قائلا “إن الجنرالات كانوا يتحينون الفرصة للانقلاب على الشاذلي بن جديد منذ منتصف التسعينات، واقتربوا من القرار كثيرا بعد أحداث أكتوبر 1988، حيث كانوا قاب قوسين أو أدنى لتحقيق ذلك بين العامين 1990 و1991، لولا التطورات الإقليمية التي نجمت عن حرب الخليج الثانية في 1991”.

أهم أحداث انتفاضة أكتوبر 1988
*سبتمبر 1988: إضراب شامل في المنطقة الصناعية التي كانت تشغل أكثر من 20 ألف عامل في مختلف المصانع والوحدات بضاحية الرويبة (20 كلم شرقي العاصمة)

*19 سبتمبر 1988: الرئيس الشاذلي بن جديد يلقي خطابا حادا وصريحا، يتوجه فيه بالنقد إلى حزب جبهة التحرير الوطني وبعض كوادر الدولة الذين لم يتحملوا مسؤولياتهم، كما دعا المواطنين إلى الدفاع عن أنفسهم من خلال تنظيم أنفسهم بأنفسهم.

*20 و21 سبتمبر 1988: الصحافة المحلية تعتبر نبرة خطاب رئيس الجمهورية مؤشرا جديدا ستكون له دلالاته السياسية العميقة.

*25 سبتمبر 1988: بداية انتشار إشاعة تدعو الجزائريين إلى إضراب عام يوم الأربعاء 05 أكتوبر وتهدد التجار في حال فتحوا محلاتهم.

*04 أكتوبر 1988: انطلاق مظاهرات عفوية، ومسيرات نتج عنها تحطيم مقار حكومية في ضواحي باب الوادي، باش جراح، وباب الزوار، وسجلت مشادات في حي باب الوادي بين المتظاهرين وقوات الأمن استمرت إلى غاية الفجر، حيث سادها بعض العنف واستعملت فيها القنابل المسيلة للدموع وتمّت أولى الاعتقالات.

*05 أكتوبر 1988: توسع رقعة الانتفاضة لتشمل أحياء أخرى من العاصمة (بوزريعة، باستور، محمد الخامس، ابن عكنون، الأبيار، حسين داي، بلكور، القبة، ساحة أول ماي، وأيضا ضواحي اسطاوالي، دالي إبراهيم…)، واتسمت بتحطيم وتخريب المباني التي ترمز للدولة (وزارة الشباب والتربية، قسمات الحزب، أسواق الفلاح، محافظات الشرطة، رياض الفتح) وسقطت خلال ذلك اليوم أولى الضحايا.

*09 أكتوبر 1988: توسع حملة الاعتقالات، وأذاعت وسائل الإعلام خبر توجه الرئيس الشاذلي بن جديد بخطاب للأمة يوم الإثنين على الساعة الثامنة مساء.

*10 أكتوبر 1988: مسيرة الإسلاميين من بلوزداد إلى باب الوادي تنتهي بحمام دم سقط فيها أكثر من 40 ضحية، وفي نفس اليوم يخطب الرئيس للأمة في المساء معلنا بداية مرحلة جديدة.

وتبقى مسؤولية إطلاق النار على المتظاهرين وقمعهم، إلى حد الآن، موزّعة على جهات مجهولة، رغم تبنّيها الصريح من طرف الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد في 10 أكتوبر 8819 بقوله “أتحمّل مسؤولية ما جرى وأتأسّف لانزلاق الوضع إلى مستنقع الدم، ولم يكن أمامي غير استدعاء الجيش للحفاظ على أمن البلاد ومؤسسات الدولة”.

لكن الاعتراف بقي حبرا على ورق، بما أنه لم تعقبه إجراءات تأديبية أو متابعات قضائية في حق من قتلوا وعذبوا المتظاهرين في أقبية مخافر الأمن والاستعلامات. واتهم العقيد المتقاعد في الأمن الجزائري، خالد زياري، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، ثلاثة شخصيات عسكرية وأمنية بالوقوف وراء سقوط ضحايا مظاهرات أكتوبر، وهي وزير الدفاع خالد نزار، المسؤول الاستخباراتي محمد مدين (الجنرال توفيق) والعقيد الراحل علي تونسي، نافيا أي مسؤولية للشرطة على وقوع ضحايا أو ممارسة التعذيب.

وأخرج هذا التصريح وزير الدفاع السابق والجنرال المتقاعد خالد نزار عن صمته، ودفعه إلى نشر رسالة مفتوحة للرأي العام، في الصحيفة الإلكترونية “ألجيري باتريوتيك”، قال فيها إنه “قام بتنحية الجنرال عبدالله بلهوشات، رئيس أركان الجيش حينها، لأن الأخير أراد إطلاق النار على المتظاهرين انطلاقا من المروحيات”.

وأضاف أن “الواقعة كانت في غرفة العمليات للقيادة العسكرية بوجود جميع الضباط والموظفين الذين شهدوا بذلك، وأن اتهامه بالضلوع في قتل المتظاهرين في أكتوبر 1988، هو بمثابة إهانة للمجنّدين الشباب الذين تلقوا تعليمات بفتح النار، وحتى أنا أعطيتهم تعليمات شفهية وكتابية لتجنب الاحتكاكات، ولكن يبدو أن هناك مؤامرة حيكت ضمن التسلسل الهرمي العسكري”.

دور الإسلاميين

وفي سياق متصل، تقر شهادات من تيار الإسلام السياسي، بضلوع الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ المحظورة علي بلحاج، في إشعال فتيل المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن والجيش خاصة في ضاحية باب الوادي بالعاصمة.

وقال القيادي السابق المنشق عن جبهة الإنقاذ المحظورة الهاشمي سحنوني لـ”العرب”، إن الأحداث أخذت منحى دمويا بسبب تهوّر بعض القادة الإسلاميين. وأضاف أن مختلف التيارات الفكرية والسياسية كانت منخرطة في الانتفاضة بأجندة واحدة، لكن الإسلاميين اختاروا أرضية أيديولوجية مختلفة بعد اندلاع الأحداث، التي شاركوا في اندلاعها عن طريق العمل السري الذي يتخذ من المعامل والجامعات والمساجد منابر له.

دخول الإسلاميين على خط الانتفاضة جرها إلى مستنقع من الدم

وقد جرّ دخول الإسلاميين على خط الانتفاضة بعد اندلاعها، الأحداث إلى مستنقع الدم بسبب تهوّر عصبة علي بلحاج، الذي استفاد من تساهل من كانوا يوصفون بـ”عقلاء التيار الإسلامي”، حيث صار يشكل بعينه تيارا داخل تيار، واستطاع بخطابه المتشدد والمتطرف تجاه السلطة، استقطاب قطاع عريض من الأنصار وحوّل أرضية المطالب التي كان قادة التيار يعتزمون رفعها للرئيس الشاذلي بن جديد، إلى أرضية متهورة تدعو لنزول الرئيس إليهم وإسقاط النظام الحاكم.

وفي سياق تبادل الاتهامات عمّن يتحمل مجزرة باب الوادي، يقول وزير الدفاع السابق خالد نزار، ومسؤول الأمن خالد زياري، إن المتظاهرين حاولوا “اجتياح مبنى مديرية الأمن، مما اضطر قوات الأمن والجيش لإطلاق النار في الأرض والهواء لتفريقهم”.

في المقابل يقول علي بلحاج إن “المتظاهرين كانوا عائدين من بلوزداد إلى باب الوادي ولما اقتربوا من مبنى مديرية الأمن أطلقت عليهم النيران”، في حين تقول روايات أخرى، إنه عندما “اقترب العائدون من بلوزداد إلى باب الوادي من مبنى مديرية الأمن وقع طلق نار مجهول المصدر، أخلط الحابل بالنابل، فالمتظاهرون اعتقدوا أنه صادر عن قوات الأمن والجيش، وقوات الأمن والجيش اعتقدت أنه صادر عن العائدين، ومصدر الطلق هو الذي كان يريد انزلاق الوضع وقد نجح في ذلك”.

ورغم تضارب الأحداث، وغياب التفاصيل الدقيقة عن المسؤول الرئيسي لما جرى من عنف، يبقى الثابت أن رموز الإسلام السياسي في الجزائر لم تكن لها رؤية موحدة، مع ركوبها قطار الانتفاضة متأخرا. وظهر التضارب في التصريحات بين القياديين علي بلحاج وأحمد سحنون، مما أجهض مشروع الديمقراطية الفتي بإدخاله في دوامة عنف دموي ونكوص على الأعقاب، ففيما تطرف الأول وقاد أنصاره إلى حمام الدم، دان الثاني “كلّ عمل تخريبي لممتلكات الشعب سواء عن طريق أعمال غير مسؤولة من حرق وتخريب ونهب”.

وفي نفس السياق، يتمسك رئيس جمعية ضحايا انتفاضة أكتوبر أزواو حمو الحاج بالطابع المدني والعفوي للأحداث، لكنه اعترف بدخول تيارات سياسية وأيديولوجية حولت مسارها، وأجهضت أحلام الشباب نحو الحرية والديمقراطية. ويؤكّد حمو الحاج في اتصال مع “العرب” “مهما كان التراجع فإن التاريخ يبقى يذكر عزيمة الشباب الجزائري على رفض القمع والتسلط، وأعراض التعذيب على عشرات الضحايا تبقى شاهدة على تلك الأحداث، لذلك لن نتراجع عن مطالبتنا بالاعتراف بضحايا الأحداث كشهداء للديمقراطية، وبالخامس من أكتوبر يوما وطنيا، إلى جانب تعويض الجرحى والمصابين”.

حسين بن حديد: الجنرالات خططوا للانقلاب على الشاذلي بن جديد

1988 - 2005

وعلى ضوء الاحتقان السياسي في البلاد وخلافا للسنوات السابقة، لم تمرّ الذكرى الـ27 لهذه الأحداث، بصمت، حيث كانت محور تصريحات عدد من رموز السلطة والمعارضة من مختلف الانتماءات والأحزاب، الذين أعادوا، كل لغاية تخصّه، باب الحديث والجدل حول هذه الأحداث التي أدخلت البلاد في دوّامة من العنف لم تخرج منه إلى غاية الآن، وتهدد باندلاع انتفاضة مشابهة، قد لا ينفع معها القمع والعنف.

ولعلّ من أهم الأسباب التي دفعت بملف هذه الأحداث إلى السطح، تشابه الظروف الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية الراهنة مع تلك التي عاشتها الجزائر في الثمانينات، من تداعيات الأزمة النفطية على الجبهة الداخلية، وانسداد الأفق السياسي الناجم عن العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة، لتتصاعد الأصوات المحذرة من تكرار نفس السيناريو.

ولئن شعر النظام الجزائري بأنه نجح في تحصين نفسه من رياح الربيع العربي، التي عصفت بعدة أنظمة سياسية في عدة دول عربية، من بينها جارتيه ليبيا وتونس، فإن هذا الارتياح ليس سوى مهدئ وقتي، حيث أن الوضع في البلاد على فوهة بركان يهدد بثوران خطير.

والجزائريون، ولئن أنجزوا ربيعهم منذ 27 عاما، فإنهم لم يجنوا منه شيئا، ولازالوا يتجرّعون مرارة أزمة أمنية وسياسية تهدد أركان الدولة، ويمكن أن تتصاعد على وقع إحساس الجزائريين بأن تضحيات المئات من الذين قضوا في انتفاضة أكتوبر، ذهبت أدراج الرياح. وبعد مرور 27 سنة على انتفاضة أكتوبر 1988، لا يزال الحديث جاريا عن الإصلاح السياسي ومدنية الدولة والدستور والمجتمع المدني والمعارضة السياسية، بشكل يكرس ضياع ربع قرن من حياة الجزائر في مرحلة انتقالية لم تغادر مربع الصفر.

6