انتفاضة الضرائب وثورة الفلاحين.. عاصفة تقتلع حكم إسلاميي تونس

الجمعة 2014/01/10
حكومة العريض.. انتهت

تونس- حدة الاضطرابات التي تشهدها تونس على الساحة السياسية والأمنية تمهّد لانتفاضة شعبية جديدة يقوم بها التونسيون ضدّ الإسلاميين، ابتدأت باسقاط رئيس الحكومة الإسلامية علي العريض.

“انتفاضة الضرائب” التي أطلقها الفلاحون والعمال المتضرّرون من قانون المالية الجديد، الذي أقرته الحكومة، قبل أيام قليلة من استقالة رئيس الوزراء، علي العريض، القيادي في حركة النهضة الإسلامية، مؤشر جديد ينذر باشتعال الأوضاع ميدانيا في تونس، بالتزامن مع حلول الذكرى الثالثة لثورة 14 يناير 2011.

صدام بين شرطية وبائع متجوّل، يوم 21 ديسمبر 2010، تسبّب في اندلاع ما بات يعرف بـ”الربيع العربي”. هذه الحادثة وصلت ذروتها في تونس، يوم 14 يناير 2011، عندما ثار الشعب في خطوة مفاجئة، ضدّ نظام زين العابدين بن علي، الذي حكم البلاد بقبضة من حديد طيلة 24 سنة.


تونس.. وضع متفجر


الفقر والبطالة من الأسباب التي فجرت الثورة التونسية في 2011 والتي اندلعت تحديدا من مناطق داخل البلاد، وهي ذات الأسباب التي تنذر بثورة ثانية يخوضها هذه المرة الفلاحون والعمّال ضدّ منظومة فشلت في تحقيق أدنى المطالب الشعبية التونسية.

لم ينعم التونسيون كثيرا بثورتهم، حيث بات يتهددهم شبح الإرهاب وتنامي الحركات الإسلامية المسلحة، وضعف اقتصادهم، الذي يشهد ركودا، إذ لم تتجاوز نسبة النمو ثلاثة في المئة خلال 2013، ولا يعتبر ذلك كافيا لاحتواء ارتفاع البطالة التي تطال أكثر من ثلاثين في المئة من الشباب من حاملي الشهادات.


احتجاجات غاضبة


بدأت احتجاجات الفلاحين والعمال في عدد من المحافظات على ضريبة جديدة أقرها قانون المالية للعام 2014 على شاحنات نقل المنتجات الزراعية، لكنها تأججت بعد أربعة أيام لتشمل المدن والأحياء الشعبية حيث نزل المئات من التونسيين إلى الشوارع في مظاهرات اشتبكوا خلالها مع قوات الأمن التي اضطرت إلى استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

تحولت الاحتجاجات إلى سخط على حركة النهضة التي يحملها غالبية التونسيين مسؤولية الأزمة السياسية والاقتصادية التي تتخبط فيها البلاد

وخلال اليومين الأخيرين أخذت الاحتجاجات منعرجا سياسيا بعد أن تحولت إلى “انتفاضة” ضد حكومة حركة النهضة الإسلامية التي تقود الائتلاف الحاكم، حيث تعرضت مقراتها في عديد الجهات والمدن للاقتحام والحرق من قبل المواطنين الغاضبين. وتحولت الاحتجاجات من غضب على الضريبة الجديدة إلى سخط على حركة النهضة التي يحملها غالبية التونسيين مسؤولية الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها البلاد منذ اغتيال المعارض اليساري محمد البراهمي في 25 يوليو الماضي.

وأعادت الشعارات التي رفعها المتظاهرون إلى الأذهان أجواء انتفاضة يناير 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي حيث ردد المواطنون الغاضبون “الشعب يريد إسقاط النظام” و”خبز وماء والنهضة لا”.

وزاد في تأجيج حالة الاحتقان والغضب إصرار الحكومة على المضي في تنفيذ الضريبة الجديدة رغم مطالبة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين بالتراجع عنها، إذ أكد وزير المالية إلياس الفخفاخ الأربعاء الماضي خلال مؤتمر صحفي أن “الحكومة لن تتراجع عن الأداءات الجبائية الأخيرة معتبرا أنه من الأفضل القبول بذلك”.

في الوقت الذي “تقلل” فيه حكومة النهضة من تداعيات توظيف الضريبة الجديدة يرى الاتحاد العام التونسي للشغل أن “الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها مختلف مناطق البلاد هي احتجاجات شرعية، على الجميع تفهمها بل دعمها لأنها “نتيجة تشبث الحكومة برأيها” وتعبر عن “غضب الفئات الضعيفة من سياسة التهميش والتفقير” التي تتعرض لها في ظل تدهور القدرة الشرائية وغلاء الأسعار”.

الإجراءات القانونية بعد استقالة رئيس الوزراء في تونس

تونس- في ما يلي الاجراءات القانونية التي سيجري العمل بها عقب استقالة رئيس الوزراء التونسي الإسلامي علي العريض الخميس، في عملية من شانها ان تقود البلاد إلى انتخابات خلال 2014.

- نظرا لتعليق دستور 1959، تتم إدارة تونس بموجب اعلان دستوري صدر في 16 ديسمبر 2011 أطلق عليه "التنظيم الموقت للسلط العمومية" أو "الدستور الصغير".

- ينص الفصل 19 على أنه إذا اقيل رئيس الوزراء فإن تنحيه لا يبدأ إلا بعد تعيين رئيس الحكومة الجديد الذي يجب أن يتم "وفق الاجراءات المنصوص عليها في الفصل 15" وتولي الحكومة الجديدة مهامها.

- ينص الفصل 15 على أنه بعد الاستقالة يكلف الرئيس المنصف المرزوقي "مرشح الحزب الذي فاز بأكبر عدد من المقاعد في المجلس الوطني التأسيسي بتشكيل الحكومة" ويتعلق الأمر هنا بحركة النهضة الاسلامية (89 نائبا من اصل 217) التي سترشح مهدي جمعة وفقا لاتفاق توصلت إليه مختلف الأحزاب السياسية في منتصف ديسمبر 2013.

ويتعين حينها على المرشح "في مهلة لا تتجاوز 15 يوما" أن يشكل حكومته ويعد برنامجا "يطلع عليه رئيس الجمهورية".

وبعد ذلك يتعين على رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر أن يعقد جلسة عامة "بعد ثلاثة أيام على اقصى تقدير اعتبارا من تاريخ تشكيل الحكومة للمصادقة عليها بالأغلبية المطلقة من الاعضاء" اي 109 نواب.

وينص "الدستور الصغير" على أنه إذا لم يتمكن الشخص المعين من تشكيل الحكومة أو لم يحصل على ثقة المجلس الوطني التأسيسي فإن الرئيس يقوم حينها "بمشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل البرلمانية لمنح الشخصية الأوفر حظا لتشكيل الحكومة".

ويقول المحللون إن مساندة اتحاد الشغل للاحتجاجات “يضفي عليها شرعية نقابية” من قبل أهم منظمة مدنية تحظى بمصداقية نضالية كبيرة وتمتلك الآليات الكفيلة بـ”التحكم” في إدارة انتفاضة تعد الأولى من نوعها منذ سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011 .


تهميش الفلاحين


اعتبر رئيس حزب صوت الفلاحين، فيصل تبيني، أن الضريبة الجديدة التي أقرها قانون المالية للعام 2014 على سيارات نقل المنتجات الزراعية “ستدفع البلاد إلى الهاوية” مشيرا إلى أن “الفلاحين لا يمتلكون من يمثلهم في المجلس التأسيسي لهذا بقوا مهمشين ولا أحد يدافع عنهم، ومن ثمة قرروا الدفاع عن لقمة عيشهم بأنفسهم”.

ووصف التبني الوضع في البلاد بأنه في “مرحلة الاشتعال”، وتوجه إلى نواب المجلس التأسيسي قائلا “توقفوا عن كتابة “دستور سياسي” لشعب جائع محروم لم يعد قادرا على ضمان لقمة عيشه”.

ولقيت “انتفاضة الضرائب” مساندة قوية من قبل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمدنيين وكذلك من قبل عدد كبير من نواب التـــــأسيسي الذي تهيمن عليـه حركة النهضة. من جهته أكد حزب العمال الذي يتزعمه حمة الهمامي دعمه لـ”كل الاحتجاجات الاجتماعية السلمية وتبنيه لمطالبها” مشددا على أن “الضريبة الجديدة التي أقرتها الحكومة تؤكد مرة أخرى أن العمال والأجراء يتعرضون لعملية تفقير ممنهجة”.


ثورة شعبية


المحتجون رفضوا “ركوب” الأحزاب السياسية انتفاضتهم وقاموا بطرد ممثلين عن عدد من الأحزاب في عديد المدن الداخلية، خصوصا الفقيرة والتي تشكو من ضعف التنمية، وكذلك في العديد من الأحياء الشعبية المتاخمة لتونس العاصمة مثل “حي التضامن”، حيث قام المحتجون بسد منافذ الحي بالحجارة والإطارات المطاطية المشتعلة ورفضوا مشاركة أي طرف عدا الأهالي.

ويقول العمال والفلاحون إنهم “فخورون” بقيادة انتفاضة شعبية ضد الحكومة بعيدا عن أي شكل من أشكال التوظيف السياسي ولا يترددون في التعبير عن غضبهم تجاه “السياسيين الذين خذلوهم وخيبوا آمالهم ولم يعيروا مشاغل الناس أي اهتمام وأصبح همهم الوحيد الصراع على الكراسي”.

تحرك التونسيين يأتي بعد أن فاضت بهم الأكيال من المماطلة التي اتبعتها الحكومة، التي فشلت في معالجة الأوضاع الأمنية المتردية، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وانعكاسها سلبيا على التونسيين من مختلف الشرائح العمرية.

وقد كشفت مصادر طبية أن 80 في المئة من المرضى التونسيين الذين يترددون على مصحات الطب النفسي في 2013 أصبحوا يعانون من الاضطرابات النفسية بسبب “التطرف الديني والعنف السياسي” في البلاد٬ فيما بلغ عدد المرضى النفسانيين 25 بالمئة. ويرى المراقبون أن موجة الاحتجاجات التي تحولت إلى انتفاضة حقيقية تؤكد أن الفئات الضعيفة من المجتمع التونسي نجحت في تحقيق ما فشلت فيه المعارضة وأسقطت حكومة الإسلاميين للمرة الثانية.

7