انتفاضة "الفريب"

حول أكداس الفريب تشاهد كل ألوان التونسيين، ويحيط ببسطة الملابس المستعملة ذاتها السيدة الفقيرة والأم متوسطة الحال والفتاة الجميلة والرجل الوقور الذي يبدو ثريا والشاب الذي يبحث عن جينز من إحدى الماركات العالمية.
الثلاثاء 2019/12/17
الفريب صديق لغالبية التونسيين

“خذوا المناصب والمكاسب بس خلولنا الفريب” (الملابس المستعملة)، على إيقاع كلمات أغنية “أنا مواطن” للفنان التونسي لطفي بوشناق “خذوا المناصب والمكاسب لكن خلولي الوطن” هكذا عبّر تونسيون عن رفضهم لوقف عمل سوق الملابس المستعملة.

علاقة التونسي بالفريب وطيدة جدا، ففي أسواقه وحول أكداسه تشاهد كل ألوان التونسيين، ويحيط بنفس البسطة للملابس المستعملة السيدة الفقيرة والأم متوسطة الحال والفتاة الجميلة والرجل الوقور الذي يبدو ثريا والشاب الذي يبحث عن جينز من إحدى الماركات العالمية ليبدو في أعين الناس من الأثرياء والعجائز أيضا. جميعهم وبشتى ألوانهم وأعمارهم وانتماءاتهم الاجتماعية يحنون الظهور ويقلّبون كدس الثياب وينتقون ويقيسون وربما يعطسون من رائحة الفريب وأحيانا من الغبار والصوف المنبعث منه.

ينتشي الشاب الباحث عن الجينز أو الحذاء الرياضي من إحدى الماركات العالمية عندما يجده ويدفع ثمنه الذي يبدو في نظره دائما مناسبا مقارنة بالمحلات. وتفرح الفتاة التي تريد مواكبة الموضة وارتداء تصميمات الماركات العالمية أو ما يشبهها عندما تجد قطعة ملابس تبدو جديدة ومن نوعية جيدة لتتباهى بها وربما تغالط الكل وتدعي أنها من أفخم المحلات، أو أن حبيبها أهداها إياها، وتفخر في قرارة نفسها بكونها نجحت في أن تكون أنيقة وتواكب الموضة وفي نفس الوقت تطبق استراتيجية التقشف.

بعض الأسر التونسية لا يمكنها الاستغناء عن ملابس الفريب، منها تلك كثيرة الأفراد، ومنها التي ليس لها قدرات مالية على تغطية نفقات الملابس الجاهزة من المحلات التي بات الغلاء سمتها المشتركة، ومنها التي تضع جدولا بالمصاريف لا يجب أن يفوت فيها اللباس مبلغا محددا. كل هؤلاء عبروا عن احتجاجهم ورفضهم لفكرة وقف نشاط تجّار الثياب المستعملة بل وهدّدوا بانتفاضة أطلقوا عليها تسمية “انتفاضة الفريب”.

رفض ألبسه الكثير من مستخدمي منابر وسائل التواصل الاجتماعي شكلا كوميديا أشبه بالكوميديا السوداء. لكن رغم ذلك، هي مضحكة. فمنهم من يستجدي الله طالبا العراء لمن يقف وراء قرار وقف تجارة الفريب “الله يعرّيهم يحبو يعرّونا” (جعلهم الله عراة مثلما يريدون تعريتنا). وفي ذلك يقولون إن غالبية لباسهم من الثياب المستعملة وإنهم من دونها يمكن أن يعجزوا عن توفير لوازمهم من الملابس وقد يصبح جميعهم أشبه ببطل فيلم طرزان العاري في الغابة، لكنهم سيصبحون عراة يجوبون الشوارع.

وأنت تقرأ ما دوّنه التونسيون حول خبر إيقاف تجارة الملابس المستعملة، تضحك وتلامس الروح المرحة لدى التونسي، الروح الضاحكة رغم كل شيء، فمنهم من كتب “حسدونا على فقرنا ولم نحسدهم عن ثرائهم” موجها رسالة لأصحاب القرار وتحديدا للطبقة السياسية معتبرا أن التونسيين من الطبقات المتوسطة والفقيرة والتي تجد ملاذها في الفريب، رغم المخاوف من بعض مخاطره الصحية، ورغم إدراك أنه منتج مستعمل، يقبلون عليه ويلجأون له إلا أن الأثرياء والمقصود بهم هنا الطبقة السياسية وأصحاب القرار حسدوهم عن هذا الوضع وهم يريدون غلق هذه السوق.

يبلغ البعض درجة التهديد باحتجاجات واسعة إذا ما تم غلق سوق الملابس المستعملة، وقد أنشئت صفحات على فيسبوك بتسمية “انتفاضة الفريب”. ويقول المتابعون لها إن المرحلة القادمة ستكون ثورة وانتفاضة من أجل الفريب. وصفحة “سيّب الفريب” يعني أطلقوا الفريب وفي ذلك شخصنة له وكأنه صديق الجميع أو المناضل الذي يجب أن يطلق سراحه وينال الحرية ليستمتع به الجميع.

ثابت أن الفريب صديق لغالبية التونسيين، وهو قريب منهم، لأنه بالرغم من التشكيات من تصاعد أثمان ملابسه، ما زال قادرا على مجاراة أوضاعهم المعيشية الضاغطة والتي بات الغلاء خانقا فيها. وفي أمس ليس بالبعيد كان الذين يريدون التفاخر بثيابهم ويولون أهمية كبرى للمظهر يدّعون أن ملابسهم من المحلات وهي غير مستعملة، ولكن يبدو أن خبر وقف نشاط تجارة الفريب جعلهم يتخلون عن هذه الادعاءات وكأنهم اتحدوا للدفاع عن هذا القطاع، فهم يقرون بأنه مكسب اقتصادي للعاملين به ولزبائنه، فمعظم ملابسهم وأحذيتهم من أكداسه.

ساوى خبر وقف نشاط سوق الملابس المستعملة بين كثيرين وبات الفريب مفخرة وليس مدعاة للخجل أو للإحساس بالنقص أو بالعجز المادي.

وأشارت بعض الفتيات والسيدات إلى أن أسواق الثياب المستعملة ليست فقط مصدرا لاقتناء الملابس، بل هي وسيلة للترفيه والتخلص من الضغط والتوتر النفسي وأطلقن عليه عبارة “فريبو تيرابي” أي العلاج بالفريب. وتداول بعض رواد الفيسبوك صورا من أفلام ومشاهد لأناس عراة أو يغطون أجسادهم بالريش أو أوراق الأشجار قائلين “كل واحد يحضر ريشاته” هكذا سيكون حالنا بعد غلق سوق الملابس المستعملة.

21