انتفاضة علي صالح على الحوثيين تربك حسابات طهران

الاثنين 2017/12/04
اجماع على دحر المتمردين

تتعرض أدوار إيران التخريبية في المنطقة لضربات إقليمية متتالية، فلم تكد الأزمة السياسية اللبنانية تتراجع نسبيا وتسير نحو التهدئة مع تريث رئيس الوزراء سعد الحريري في قرار استقالته، بعد رفضه لتدخل طهران في الشأن اللبناني والعربي، حتى اندلعت انتفاضة صنعاء ضد المتمردين الحوثيين، بعد اتساع نطاق المواجهات مع قوات حزب المؤتمر الشعبي العام الموالي للرئيس السابق علي عبدالله صالح، السبت، الذي سيطر على مؤسسات ومناطق رئيسية في العاصمة صنعاء مؤخرا.

ثمة اعتبارات تزيد من حدة الضغوط التي تفرضها تلك التطورات على حسابات ومصالح إيران، أبرزها أنها تندلع أساسا لإنهاء “الهيمنة الإيرانية على اليمن”، باعتبار أن “أنصار الله” في النهاية ميليشيا تابعة لإيران وتنفذ تعليمات ولي أمرها، الذي استخدمها لتهديد أمن واستقرار دول الجوار.

وبدا هذا التهديد واضحا في بداية نوفمبر الماضي عندما أطلق الحوثيون، بمساعدة حزب الله اللبناني، صاروخا باليستيا على الرياض، كما أثبت تقرير سري أعده مراقبو العقوبات في الأمم المتحدة، وتم الكشف عنه في بداية ديسمبر الحالي، أنه من ضمن صواريخ باليستية أخرى أطلقت في مرات سابقة، من تصميم وتصنيع إيران.

وهو ما يثبت زيف المزاعم التي تسعى إيران إلى ترويجها بأن دعمها للحوثيين “استشاري ومعنوي فقط لا غير” بحسب تصريحات قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري. كما أن هذه التطورات تكشف عن قرب نهاية التحالف بين المتمردين الحوثيين وصالح، بعد أن أعرب الأخير عن رغبته في “فتح صفحة جديدة” مع دول الجوار، لا سيما دول التحالف العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

ومن شأن ذلك أن يغير توازنات القوى ميدانيا بشكل يقلص إلى حد كبير من نفوذ المتمردين الحوثيين، وذلك بانتزاع أنصار صالح مؤسسات حيوية في صنعاء، ومنها وزارتا الداخلية والدفاع.

وسيكون انهيار تحالف الحوثيين مع صالح في هذا التوقيت كفيلا بتهديد طموحات إيران في تعزيز وجودها ليس في اليمن فحسب وإنما أيضا في المناطق المجاورة ، علاوة على أنه سوف يقلص من دعم القبائل للحوثيين، مع نجاح صالح في استقطاب الكثير من زعماء القبائل إلى جانبه، وهو ما سيكون من المتغيرات الميدانية الهامة، التي ستساهم في تحديد اتجاهات الصراع خلال المرحلة القادمة.

كما سيضع انهيار التحالف عقبات أمام مساعي إيران لمواصلة تقديم دعم عسكري للحوثيين، وهو الدعم الذي حرضهم دوما على رفض الجهود المبذولة للوصول إلى تسوية سياسية للأزمة، وعدم الاستجابة لقرار مجلس الأمن رقم 2216.

وساهمت العمليات العسكرية التي شنها التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن منذ مارس 2015 وحتى الآن في تضييق هامش الخيارات المتاح أمام إيران، بعد أن كشف التحالف، فضلا عن بعض القوات البحرية الأجنبية، عدة مرات عن شحنات أسلحة إيرانية كانت متجهة إلى معاقل المتمردين في اليمن.

تطورات الأزمة في اليمن تضاعف من حجم الضغوط الإقليمية التي تتعرض لها إيران في الآونة الأخيرة

ومن دون شك، فإن أي جهود من جانب إيران لدعم الحوثيين عسكريا من أجل تدراك مرحلة ما بعد فض التحالف مع صالح، ستؤكد انتهاكاتها المستمرة لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيما القرار 2216 الخاص باليمن والقرار 2231 الخاص بالاتفاق النووي.

بمعنى آخر، إن إيران ستغامر في المرحلة القادمة في حالة اتباعها نفس سياستها الداعمة للميليشيات الإرهابية والمسلحة في اليمن والمنطقة، بعد أن أصبح هذا الدعم محل رفض وانتقاد من جانب الولايات المتحدة الأميركية ومن قبل بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا، التي أقرت مؤخرا بأن الأدوار التي تقوم بها إيران تهدد التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

وتكشف مؤشرات عديدة عن احتمال إلغاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارته إلى إيران في عام 2018، في حالة ما إذا لم تنجح مقاربته في وضع حدود لتدخلاتها في المنطقة ودورها في نشر الفوضى وعدم الاستقرار، وهو ما سيوجه ضربة قاصمة لإيران، التي كانت تعول على إحداث انقسام بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بهدف تعزيز موقف الأخيرة ودعمها للاتفاق النووي.

لذا، فإن إيران سوف تجد نفسها أمام خيارات محدودة في التعامل مع تطورات الوضع في اليمن. ويبدو أنها ما زالت تعول على متغيرين: الأول هو نجاح المتمردين الحوثيين في انتزاع زمام المبادرة من جديد، سواء باستعادة السيطرة على المؤسسات التي أعلن أنصار صالح الوصول إليها، أو بإحداث انقسام داخل تيار الأخير واستقطاب جناح سياسي وعسكري مؤيد لهم.

ويتضح ذلك من خلال اهتمام وسائل إعلامها الرئيسية بنشر خطب زعيم المتمردين عبدالملك الحوثي التي وجه فيها انتقادات لصالح وقوى التحالف، ودعا بعض أقطاب حزب المؤتمر الشعبي إلى عدم الانضمام إلى ما أسماه بـ”الفتنة”، رغم أن الحوثيين هم من صنعوا تلك الفتنة منذ البداية بتمردهم على الشرعية الدستورية وتبعيتهم لإيران.

والثاني، توصل الطرفين إلى تفاهمات سياسية وأمنية جديدة تنهي الأزمة الحالية وتعزز من قدرة الحوثيين على مواصلة تحديهم لمطالب المجتمع الدولي. ورغم أن ذلك يبدو صعبا، فإن إيران لا تستبعده، خاصة في حالة لم ينجح تيار صالح في حسم المواجهات لصالحه بشكل كامل.

وهنا، فإن إيران قد تلتجئ إلى الوساطة حتى تتمكن من تقريب وجهات النظر بين الطرفين. وبالطبع، فإن قطر تعد الطرف المرشح لهذه المهمة، حيث تدخلت في الشأن اليمني سابقا ودعمت المصالح الإيرانية، وحاولت الدوحة وطهران عرقلة جهود تسوية الأزمة اليمنية. لكن من المتوقع أن يرفض صالح وساطة الدوحة، نتيجة مساعيها السابقة لإنقاذ الحوثيين ومنحهم الفرصة للمزيد من التمرد على الشرعية والسيطرة على العاصمة صنعاء.

على ضوء ذلك، فإن تطورات الأزمة في اليمن تضاعف من حجم الضغوط الإقليمية التي تتعرض لها إيران في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد أن باتت تدخلاتها محل انتقاد كل القوى الإقليمية والدولية المعنية بأزمات الشرق الأوسط.

رئيس تحرير دورية مختارات إيرانية

7