انتفاع التونسي بالخدمات الصحية مهدد بسبب أزمة الصناديق الاجتماعية

صعوبات عديدة تعانيها الصناديق الاجتماعية في تونس سببها أساسا المديونية المتفاقمة، ويبدو الأمر مقلقا لتداعياته المباشرة وغير المباشرة على المواطن، خصوصا مع قرار بعض الأطراف إيقاف العمل باتفاقياتها المشتركة مع بعض هذه الصناديق مثل الصيدليات الخاصة وتنتظر خطوة مماثلة من قبل الأطباء.
السبت 2016/10/22
المواطن يدفع ضريبة واقع لا ذنب له فيه

تونس - أصبحت الأزمة المالية التي تعيشها الصناديق الاجتماعية في تونس تطال المواطن. وبدأ الأمر مع إعلان النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، منذ أكثر من أسبوعين، عن قرارها تعليق تعاقد الصيادلة مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض “الكنام” بسبب عدم تسديده للمستحقات المالية للصيادلة منذ أشهر.

وقال كاتب عام نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة، رشاد قارعلي، إن أصحاب الصيدليات الخاصة قرروا إيقاف العمل بمنظومة الطرف الدافع إلى أن يقع إيجاد حل جذري يضمن حصولهم على مستحقاتهم في الآجال التعاقدية، بصفة دائمة ومنتظمة.

وعبر الصندوق الوطني للتأمين على المرض، في بلاغ، عن أسفه للقرار الأحادي الصادر عن النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة القاضي بتعليق التعامل بمنظومة الطرف الدافع المخولة لمنظوري الصندوق.

واعتبر بيان “الكنام” أن تعليق الاتفاقية بصفة أحادية يعد مخالفا للقواعد العامة للقانون والالتزامات ويمس بجوهر العلاقات التعاقدية القائمة على الشراكة المسؤولة بما من شأنه الإخلال بمبدأ استمرارية العلاج وضمان الحق في الصحة لفائدة منظوري الصندوق.

الصندوق الوطني للتأمين على المرض يتعهد باحترام الآجال التعاقدية مع الأطباء بداية من السنة القادمة

ودعا إلى أن تبقى صحة المضمون الاجتماعي الهدف الأساسي وأن لا تكون محل تجاذب.

ومع تطبيق هذا القرار، يضطر المواطن المنخرط في هذه المنظومة العلاجية، إلى تسديد المبلغ كاملا للصيدلي الذي يوفر له في المقابل فاتورة يتولى المواطن تقديمها مباشرة لـ”الكنام” حتى يتمكن من استرجاع أمواله.

وتلوح في الأفق أزمة شبيهة بما حدث مع الصيادلة، وتخص هذه المرة أطباء القطاع الخاص ونقابة مخابر التحاليل الطبية التي يبدو أنها تذهب نحو اتخاذ نفس الخطوة ولنفس الأسباب.

وتعهد الصندوق الوطني للتأمين على المرض، خلال جلسة مع نقابة أطباء القطاع الخاص، باحترام الآجال التعاقدية للخلاص بداية من السنة القادمة.

وينتظر أن تتخذ نقابة الأطباء قرارها خلال اجتماع هيئتها الإدارية المقرر السبت.

وأرجع تصريح لوزير الوظيفة العمومية والحوكمة، عبيد البريكي، أسباب أزمة الصناديق الاجتماعية إلى ارتفاع معدل الأعمار في تونس وارتفاع مؤشر أمل الحياة فيها.

وتسبب هذا التصريح في انتقادات لعبيد البريكي لم تستسغ تصريحه.

واستنكر وزير الوظيفة العمومية التأويلات التي رافقت تصريحاته، موضحا أنه قال إن من بين العوامل التي أدت إلى التناسب العكسي بين مداخيل الصندوق ونفقاته هو التقدم في معدل العمر. وأكد أن تصريحه كان مجرد توصيف للوضع المالي للصناديق المهددة بالعجز عن خلاص جرايات المتقاعدين.

وأكد خبراء أن وضعية الصناديق الاجتماعية في تونس تتطلب القيام بإصلاحات عميقة لإنقاذها عبر إعادة هيكلتها والنظر في مساهمات الموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص، والتي تشكل جزءا هاما من موازناتها.

ووصف بدر السماوي، الخبير التونسي في الضمان الاجتماعي، التشخيص المقدم من قبل الحكومات التونسية المتعاقبة لواقع أزمة الصناديق الاجتماعية بـ”الأعرج”.

الأطباء يسيرون على نهج الصيادلة بخصوص تعليق التعاقد مع {الكنام} إلى حين الحصول على مستحقاتهم

وقال إن الأرقام المتعلقة بانعكاسات الرفع في سن التقاعد هي أرقام غير دقيقة وأن وزارة الشؤون الاجتماعية تراجعت عن اتفاقيات سابقة خاصة تلك المتعلقة بمشروع قانون الرفع الاختياري في سن التقاعد. ويرى البعض أن هذا الإجراء لن يكفل إنقاذ تلك الصناديق بالشكل المطلوب وانتشالها من عجزها المالي لا سيما مع كلفة هذا الرفع على سوق الشغل، خاصة وأن تونس تعاني من نسب بطالة مرتفعة.

وتفاقمت أزمة الصناديق الاجتماعية ماليا بسبب عدم تسديد العديد من الوزارات لمساهماتها، كما أن الكثير من الشركات الخاصة لا تفي بالتزاماتها نحو هذه الصناديق في ظل وضع اقتصادي صعب.

يذكر أن وزير الشؤون الاجتماعية الأسبق محمود بن رمضان قد أكد في مارس الماضي، أن الصناديق الاجتماعية تمر بأزمة كبيرة، حيث أنها لم تعد تملك أي احتياطي مالي ودخلت في مرحلة العجز.

وطالب حينها باتخاذ إجراءات عاجلة على غرار المضي في قرار الرفع الاختياري في سن التقاعد والنظر كذلك في إمكانية زيادة مساهمة المنخرطين للحد من حالة العجز المتفاقم في الصناديق الاجتماعية.

يشار إلى أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض أنشئ في العام 2007 بهدف تخفيف الضغط الكبير على الصندوقين الأقدم في البلاد (الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد)، إلا أنه يعاني من عجز كبير بسبب شح السيولة النقدية.

وتكبد الكثير من المتعاقدين مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض، منهم أطباء القطاع الخاص وأصحاب الصيادلة الخاصة، خسائر جراء عدم حصولهم على مستحقاتهم من الصندوق لقاء تقديم خدماتهم للمضمونين اجتماعيا. وأكدت الهياكل النقابية أن العديد من الصيدليات الخاصة مهددة بالإفلاس والتوقف عن ممارسة نشاطها بسبب عدم حصولها على مستحقاتها من “الكنام”.وبات الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية الذي يخص موظفي وعمال القطاع العام، معنيا بالعجز أيضا، رغم أنه كان الأكثر توازنا بسبب دعم الدولة.

وقال كمال المدوري، مدير عام الضمان الاجتماعي في وزارة الشؤون الاجتماعية، إن عجز الصندوق الوطني للتأمين على المرض بلغ 741 مليون دينار (336 مليون دولار).

4