انتقائية تركية شديدة في الأمم المتحدة

المسؤولية تقع على عاتق الجانبين؛ فسلوك حكام تركيا ورفض أوروبا أن تكون تركيا عضوا في الاتحاد وجهان لعملة واحدة. لكن هذا لا يغيّر الحقيقة، ومفادها أن تركيا لا تلعب بروح الفريق.
السبت 2019/09/28
شكاوى قديمة جديدة

صعد الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إلى المنصة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذا الأسبوع، ولوّح بخارطة للمنطقة الآمنة في شمال شرقي سوريا.

واقترح أردوغان توطين مليوني لاجئ في تلك المنطقة، وهدد أوروبا، ضمنا، بموجة جديدة من المهاجرين، مثل موجة الهجرة التي حدثت في عام 2015. وعرض الرئيس صورة لإيلان كردي، الطفل الذي غرق وهو ابن ثلاثة أعوام، ليسلط الضوء على الدول الغربية، وليذكّر العالم بكرم تركيا التي تستضيف نحو 3.6 مليون سوري نزحوا بسبب الحرب الأهلية الدائرة منذ ثمانية أعوام.

ولم ينبس أردوغان ببنت شفة عن ردود الفعل العنيفة ضد السوريين في تركيا وزيادة عدد الهجمات التي تستهدف اللاجئين، والنابعة من مشاعر الكراهية تجاه الأجانب. وسلّطت كلمة أردوغان الضوء أيضا على الأراضي الفلسطينية (وعرض مجموعة أخرى من الخرائط) والأسلحة النووية (حيث قال إن من حق تركيا أيضا الحصول على هذه الأسلحة، وليس فقط الأعضاء الذين يحظون بامتياز عضوية النادي النووي).

ورأي أردوغان في هذا؛ هو أن تركيا لعبت دائما وفقا للقواعد، وأنها تحترم التزاماتها السياسية والقانونية الدولية وتُعلي كلمة العدالة. لكن بينما تلتزم هي بهذه الأعراف والمبادئ تستغل قوى أُخرى هذا الأمر وتضر بالمصالح التركية. ويريد الاتحاد الأوروبي من تركيا أن تكون أرضا لاحتواء طالبي اللجوء. وفي المقابل، تقدم الولايات المتحدة الدعم للمسلحين الأكراد.

وتمتلك إسرائيل أسلحةً نوويةً، ومن المحتمل أن يمتلك آخرون في الشرق الأوسط هذا النوع من الأسلحة قريبا. وفي المقابل تلتزم تركيا ببنود معاهدة منع الانتشار النووي. ونادرا ما تُحاسَب إسرائيل على معاناة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وفي المقابل، تخضع تركيا دائما لتدقيق دولي شديد فيما يتعلق بالقضية الكردية وحقوق الأقليات وحقوق الإنسان على نطاق أوسع.

ومن الواضح أنه لا يوجد بين تلك المظالم أي شيء ليس مبنيا على أساس. هناك دائما نواة للحقيقة، بغض النظر عن الحبكة السياسية التي يضيفها أردوغان ومن يدينون له بالولاء. وإحقاقا للحق فإن الشكاوى التي نتحدث عنها مطروحة منذ فترة طويلة. ويعود موضوع التواطؤ الأميركي مع النزعة الانفصالية الكردية إلى الفترة التي أعقبت مباشرة الحرب العراقية عام 2003. وقد استُخدم هذا الموضوع ذات مرة ضد أردوغان من قبل المنتقدين القوميين والعلمانيين، الذين صوروا الحزب الحاكم على أنه عميل لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش.

لكن كلمة أردوغان تنُم أيضا عن عدم الثقة الراسخة لدى تركيا في المؤسسات المتعددة الأطراف وقواعد تلك المؤسسات. وقبل زمن ليس ببعيد، كان إسهامها في الأمم المتحدة مسألة وجاهة لا أكثر. فقد حصلت تركيا على صفة العضو غير الدائم في مجلس الأمن الدولي أربع مرات، كان آخرها في 2009-2010. لكن بعد فشل مساعيها للفوز بمدة جديدة في 2015-2016 يبدو أنّها فقدت الرغبة. وبالنسبة إلى تركيا فإن الأمم المتحدة توفر لها منصة لإبهار الجمهور، وليس لممارسة النفوذ الدبلوماسي أو وضع سياسات تستهدف الصالح العام.

هناك جانب رمزي مهم للغاية. فتركيا عضو في ما يسمى “مجموعة دول أوروبا الغربية ودول أخرى” داخل الأمم المتحدة، إلى جانب كل من كندا وأستراليا وإسرائيل ونيوزيلندا. أما الجيران مثل إيران والعراق وسوريا، فينتمون إلى مجموعة آسيا- الأطلسي. وربما تكون سياسة تركيا الخارجية تحوّلت بعيدا عن الغرب، لكنها ،في الأمم المتحدة على الأقل، لم تقفز من السفينة.

غير أن تركيا، عندما كانت عضوا غير دائم في مجلس الأمن الدولي، من مجموعة دول أوروبا الغربية ودول أخرى في 2009-2010، تمكنت من أن ترسم لنفسها صورة القوة الغربية التي تملك علاقة خاصة بمنطقة الشرق الأوسط. ولم تعد تركيا تنتمي إلى أي من المجموعتين. وليس هناك ما يوضح بأفضل مما يوضح هذا، عقلية الذئب الوحيد التي تُصدر التعليمات بتحركات تركيا على الساحة الدولية.

وتسير تركيا في تعاملاتها مع المنظمات الإقليمية بالنمط ذاته. والغالبية ترى أن النهج الذي تتبعه تركيا تجاه حلف شمال الأطلسي قائم على المصلحة، فالتحالف يُستدعَى فقط عندما يكون ذلك موافقا للمصالح القومية، بينما يتم تجاهله عندما ترى الحكومة، أو بالأحرى القصر الرئاسي، أن من الأفضل التخلي عنه والسير بمفردها.

وفي صلب الموضوع ذاته مسألةُ رومانسية تركيا مع روسيا. ويتبع أردوغان خط حلف شمال الأطلسي في بعض القضايا، لكنه يغض الطرف عن قضايا أخرى، بداية من رفض الانضمام إلى العقوبات الغربية ضد روسيا في 2014، إلى شراء إس-400. وتطبق تركيا استراتيجية الانتقاء هذه أيضا في تعاملها مع الاتحاد الأوروبي.

وتريد أنقرة الاستفادة من المزايا، مثل الحصول على مساعدات مالية لتخفيف أعباء استضافة اللاجئين السوريين، بالإضافة إلى تطوير الاتحاد الجمركي. لكنها تكره أن يتدخل مسؤولون من الاتحاد الأوروبي في السياسات الداخلية، أو أن ينادوا بالديمقراطية أو قدر أكبر من الحرية.

وإحقاقا للحق، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجانبين؛ فسلوك حكام تركيا ورفض أوروبا أن تكون تركيا عضوا في الاتحاد وجهان لعملة واحدة. لكن هذا لا يغيّر الحقيقة، ومفادها أن تركيا لا تلعب بروح الفريق.

9