انتقادات في المغرب لوزارة التربية لانحرافها عن مبدأ حرية الاختلاف

الثلاثاء 2017/01/17
أجيال تترقب الحماية من الفكر المتطرف

الرباط - لا يزال الجدل قائما في المغرب حول ما جاء في الكتاب الجديد لمادة التربية الإسلامية لمستوى السنة الأولى باكالوريا، نظير ما احتواه محور “الإيمان والفلسفة”، الذي يتضمن موقف أحد علماء المسلمين الذي يدعى ابن الصلاح الشهرزوري (توفي سنة 643 الهجرية) يبدي فيه رأيه حينما سئل عمن يشتغل بالمنطق والفلسفة بقوله إن “الفلسفة أسُّ السّفَة والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان”.

وبعدما سجل على وزارة التربية الوطنية، أنها سقطت في المفاضلة بين المواد الدراسية، ومصادرة حق التلميذ والأستاذ في السؤال والتساؤل، ومناقشة الرأي المخالف بإعمال العقل. نشرت الوزارة على موقعها بيانا توضيحيا عبّرت فيه عن استغرابها من ردود الأفعال التي “اختزلت عملية المراجعة الشاملة التي خضعت لها الكتب المدرسية في نص واحد، كما تم إصدار أحكام مسبقة على هذه المراجعة انطلاقا من هذا النص في تجاهل تام للتغييرات العميقة التي مسّت منهج تدريس هذه المادة”.

وأكد البيان أن الخيارات التربوية المتعلقة بالمنهج الجديد لمادة التربية الإسلامية تسعى لترسيخ الوسطية والاعتدال، وأن البرنامج الجديد للتربية الإسلامية في التعليم الثانوي التأهيلي يتضمن قضايا تفرضها السياقات الثقافية والاجتماعية الوطنية والدولية.

وحول المقرر الجديد الخاص بقسم “الإيمان والفلسفة” في كتاب التربية الإسلامية الخاص بمستوى السنة أولى باكالوريا، تقول الوزارة “إن الأمر يتعلق بنص واحد مضمّن في كتاب ‘منار التربية الإسلامية’ للسنة الأولى باكالوريا في موضوع الإيمان والفلسفة ورد في باب تقديم نموذج لموقف يشدد الكتاب المدرسي المعني على أنه عنيف من الفلسفة، حيث يؤطر الكتاب تقديم هذا النص بأسئلة توجيهية لدفع التلاميذ إلى إجراء مقارنات بين محتوى هذا الموقف العنيف والموقف الآخر الذي يعتبر العقل والتفكير من أدوات الوصول للحقيقة. وبذلك يكون هذا الكتاب قد سعى إلى تمكين التلاميذ، وتحث إدارة الأستاذ (ة) على تنمية تفكيرهم النقدي وتطوير كفاية الحجاج وفق خيارات تربوية واضحة ومضبوطة في إطار يمكن من التعاطي مع قضايا تثير حساسيات بطريقة تربوية هادئة عوض ترك تلك المواضيع دون تأطير، حيث تكون عرضة لاستغلال لا تربوي لتمرير مواقف متطرفة، الدين السمح المعتدل بريء منها”.

وتضيف الوزارة، أن مادة الفلسفة تحظى بمكانة متميزة في المنهج الحالي في السلك الثانوي التأهيلي بتدريسها كمادة إجبارية ابتداء من الجذع المشترك وعلى امتداد السنوات الثلاث للسلك، كما تؤكد أن منهجها يتضمن مواضيع فكرية أساسية.

العديد من الأصوات تعالت منددة بتنامي الفكر المتطرف داخل المؤسسة التعليمية عبر المناهج الدراسية

غير أن العديد من الأصوات تعالت منددة بتنامي الفكر المتطرف داخل المؤسسة التعليمية عبر المناهج الدراسية، داعية إلى إيقاف التيار المتطرف الذي يهدد المواد التربوية. واعتبر العديد من المهتمين، أن أجزاء من المناهج الدراسية تتضمن الكثير من “التزمّت والدعوة إلى التطرف والجمود والتعصب” لكونها لا تستند إلى مبدأ الوسطية والاعتدال، ونشر قيم التسامح والسلام. وهو ما يسيء إلى مادة الفلسفة والعلوم الإنسانية والعلوم الحقة والطبيعية، لما تضمنته من مس وتشويه وتحريف للمقاصد النبيلة للفلسفة.

وحول الجدل القائم، قال الكاتب الوطني للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، عبدالكريم سفير في حوار مع “العرب”، إن “الملاحظة التي يمكن تسجيلها حول المناهج الجديدة للتربية الإسلامية التي صدرت عن وزارة التربية الوطنية هي أن المناهج الثلاثة للجذع المشترك والسنة الأولى والثانية باكلوريا، مجانبة للصواب وغير منسجمة مع منهج المادة الذي يدعو إلى الوسطية والاعتدال، وهي مناهج متطرفة بشكل واضح وذلك لاعتمادها على الفكر الوهابي من ناحية الشكل والمضمون”.

واعتبر سفير، أن إصلاح المدرسة المغربية “مرتبط بإبعاد الفكر الوهابي عن المناهج التربوية بما فيها منهج مادة الفلسفة”.

ومن جهته قال أستاذ مادة الفلسفة، لخريف عيدا في حديث مع “العرب”، “نحن نعيش اليوم في ظل نوع من التراجعات الحقوقية على مستوى حرية التفكير على اعتبار أن الفلسفة لطالما ارتبطت بالدعوة إلى الحرية والدعوة إلى النقد”.

وأضاف عيدا “نحن مطالبون بإخراج الفلسفة من الطريقة التقليدية، بالانفتاح عليها أكثر، وتعميم تدريسها حتى يشمل التدريس الابتدائي في إطار ما يسمّى بالتدريس الفلسفي للأطفال”.

وتحظى مادة الفلسفة بمكانة متميزة في المنهج الحالي بالسلك الثانوي التأهيلي لجهة تدريسها كمادة إجبارية ابتداء من الجدع المشترك وعلى امتداد السنوات الثلاث للسلك، بحصة أسبوعية من ساعتين إلى أربع ساعات.

ويتضمن منهج مادة الفلسفة، مواضيع فكرية أساسية يتم تدريسها في ثمانية مجزءات موزعة على السنوات الثلاث وهي الفلسفة، والطبيعة والثقافة، والإنسان، والفاعلية والإبداع، والوضع البشري، والمعرفة، والسياسة والأخلاق. حيث تتناول جميعها قضايا متعددة كمعالم التفكير الفلسفي، والتمييز بين الطبيعة والثقافة، والوعي واللاوعي، والتقنية والعلم والشغل والفن والحق والعدل، والواجب والسعادة وغيرها.

وتدرس انطلاقا من بناء إشكالي، وإعمال آليات التحليل والمناقشة في البناء المفاهيمي وصولا إلى اكتساب آليات الحجاج الفلسفي.

يذكر أنه قبل سنة كان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد أقر بضرورة مراجعة مناهج وبرامج مقررات تدريس التربية الإسلامية بالمغرب، في اتجاه إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، الداعية إلى الوسطية والاعتدال، وإلى التسامح والتعايش مع مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية.

وتدعو الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2015-2030 إلى مراجعة شاملة لنظام التوجيه التربوي والمهني والجامعي، وإعادة النظر في طرقه وأساليبه، والنهوض به من خلال توفير العدة والشروط اللازمة.

17