انتقادات في تونس لاعتماد برامج تشغيل هشة

في محاولة لإنهاء أزمة تعطل إنتاج الفوسفات في منطقة الحوض المنجمي بجنوب تونس، أقرت الحكومة توفير 7 آلاف فرصة عمل للعاطلين بشركة الفوسفات ومؤسسات أخرى تابعة للقطاع العام وشركات البيئة وهي من البرامج المؤقتة لتوظيف الشباب العاطلين. لكنّ سياسيين وأطرافا مدنية يعتبرون أن البرامج المؤقتة للتشغيل ليست سوى إحداث لوظائف وهمية لا تساعد على حل المشكلات.
الاثنين 2018/02/26
ضغط لم تستطع الحكومة إزاءه فعل أي شيء

تونس- انتقدت أوساط سياسية تونسية ومدنية في تونس لجوء الحكومة إلى توظيف عاطلين عن العمل في ولاية (محافظة) قفصة في إطار اتفاق تسوية تم توقيعه لإنهاء الاحتقان الاجتماعي الذي تعيشه الجهة والذي عطل إنتاج الفوسفات في الحوض المنجمي.

والسبت، أعلنت مصادر من الاتحاد العام التونسي للشغل أن اتفاقا تم توقيعه مع الحكومة ونواب جهة قفصة بالبرلمان مساء الجمعة نص على تحسين ظروف العيش في الجهة والبدء ببرامج لتوفير فرص عمل ودفع التنمية وتطوير البنية التحتية والزراعة والصحة.

ويؤكد محسن حسن القيادي بحركة نداء تونس، لـ”لعرب”، أن “الوظائف الوهمية خطيرة ولها تأثيرات سلبية على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي”. وأوضح أن الانتدابات في شركات البيئة أو في مؤسسات القطاع العام دون أن تكون هناك وظائف حقيقية للمنتدبين “من الخيارات التي تنعكس سلبا على ميزانية الدولة كما أنها تغرق القطاع العام بانتدابات كارثية”.

وشدد حسن، الذي شغل سابقا منصب وزير للتجارة في البلاد، على أن الوضع يحتاج معالجة حقيقية وليس “معالجة ترضيات على المدى القصير والمتوسط”. وأشار حسن إلى أن إنتاج الفوسفات في الحوض المنجمي تراجع منذ العام 2010 بشكل كبير مقابل ارتفاع الانتدابات إلى حوالي 3 أضعاف. ولفت إلى أن الأمر يهدد التوازنات المالية لشركة الفوسفات، إلى جانب تأثيره على مواصلة نشاطها.

مسعود رمضاني: الاتفاق الموقع بين الحكومة واتحاد الشغل محاولة لتهدئة الأوضاع
مسعود رمضاني: الاتفاق الموقع بين الحكومة واتحاد الشغل محاولة لتهدئة الأوضاع

وذكر أن المالية العمومية تعيش صعوبات كثيرة، مؤكدا أنه في الوقت الذي كان من المفترض أن تدعم فيه المؤسسات العمومية موارد الدولة المالية أصبحت تفرض ضرائب على المواطنين لمساعدة هذه الشركات على تجاوز مشكلاتها.

 وأكد على أن التشغيل حق للمواطنين وأن من واجب الدولة توفير فرص عمل، مطالبا في هذا السياق بإجراء مراجعات عديدة تشمل نظام التربية والتدريب المهني من خلال إحداث اختصاصات تشغيلية تلائم متطلبات سوق العمل.

ويرى حسن أن من بين الحلول الممكنة لتوفير فرص العمل للعاطلين في تونس، استثمار الأموال التي تم تخصيصها لانتداب موظفين جدد في شركات البيئة بقفصة في تطوير منظومة التربية والتدريب المهني وإعادة النظر في الاختصاصات الجامعية التي يقع تدريسها.

وشدد على أنه في تونس “لا نملك الجرأة الكافية للإقرار بأن حل مشكلة البطالة يكمن في المبادرة الخاصة” من خلال التشجيع على إحداث مشاريع خاصة وتوفير وسائل تمويل ومرافقة ودفع ثقافة إحداث المؤسسات.

وصرح بوعلي المباركي الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل، لوكالة الأنباء التونسية، أنه تم الاتفاق في هذا الاجتماع على الشروع مباشرة في إحداث 7 آلاف فرصة عمل، بشركة فوسفات قفصة وشركات البيئة والغراسة والمؤسسات العمومية الموجودة بالجهة، إلى جانب تدريب 1000 عاطل عن العمل بشركة الفوسفات لمدة عامين ليتم توظيفهم بعد ذلك.

وبحسب الاتفاق الجديد يتم توفير التمويل بنسة 100 بالمئة لحوالي 200 مشروع خاص، بالإضافة إلى مرافقتهم ودعمهم إلى حين نجاح هذه المشاريع. كما تناول الاتفاق تطوير قطاع الزراعة بقفصة وتفعيل عدد من المشاريع الخاصة المبرمجة. وأكد حسن أن الحكومة تقوم بجهود لإيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها، مقرا بأنها “تواجه ضغطا كبيرا” على كافة المستويات.

وعاشت مدن الحوض المنجمي منذ أواخر يناير الماضي احتقانا اجتماعيا واحتجاجات تسببت في تعطل إنتاج الفوسفات. ورفض المحتجون نتائج اختبار لانتداب 700 موظف بالشركة، إذ اعتبروا أن فيه شبهة فساد.

ويرى مسعود الرمضاني رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لـ”العرب”، أن “الاتفاق الموقع بين الحكومة واتحاد الشغل يمثل محاولة لتهدئة الأوضاع″. وأكد أن أزمة الحوض المنجمي أزمة حقيقية استمرت لسنوات، مضيفا أنه كان من المفترض إيجاد حلول أخرى منذ انتفاضة العام 2008 التي استمرت لستة أشهر.

وقال الرمضاني إن شركات البيئة والغراسة أحدثها نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي في ذلك الوقت لامتصاص غضب أهالي الجهة، مشيرا إلى أن “هذا الحل كان من المفترض أن يكون مؤقتا لكن كل الاتفاقيات التي جاءت بعد 2008 انتدبت أشخاصا جددا في شركات البيئة والغراسة”. وأفاد بأن المنتدبين ضمن هذه الشركات يتلقون رواتب شهرية دون أن يقوموا بأي عمل أو يشتغلون في وظائف بسيطة.

وشدد الرمضاني على أن هذا النوع من الانتدابات “ليس سوى مسكنات اعتمدها أشخاص لا يملكون تصورا كبيرا لحل قضية الحوض المنجمي”، مضيفا أنها مشكلة “أكثر تعقيدا من مجرد إحداث شركات للبيئة والغراسة”.

محسن حسن: الوضع يحتاج معالجة حقيقية وليس ترضيات على المدى القصير
محسن حسن: الوضع يحتاج معالجة حقيقية وليس ترضيات على المدى القصير

وأكد على أن هذا الإجراء لن يحل مشكلة البطالة في قفصة “ولا العقلية السائدة في المنطقة والتي ترى أحقيتها في الاستفادة من استغلال ثروتها من مادة الفوسفات”. وقال الرمضاني إنه يجب أن يتم إسناد وظائف حقيقية للمنتدبين من قبل الدولة، باعتبارهم عنصرا منتجا، وإعطاؤهم رواتب مقابل عملهم.

وأبدى تفهمه لنية الحكومة في تهدئة الأوضاع من خلال توقيع اتفاقيات لتوظيف العديد من شباب الجهة العاطلين عن العمل، لكنه شدد في المقابل على أنه “يجب أن يكون هناك تصور بعيد المدى للمنطقة التي تعتبر أنها لم تستفد من شركة تقدر عائداتها بالملايين من الدينارات”.

ولفت الرمضاني إلى أن من حق سكان الحوض المنجمي الاستفادة من وجود شركة الفوسفات بجهتهم، إذ أن عمل هذه الشركة أثر على قطاع الزراعة في المنطقة وعلى الطبقة المائية بسبب التلوث الذي تسببه، مشيرا إلى أن أهالي قفصة “يشعرون بالبعض من الغبن” بسبب ذلك. ويهدف مشروع شركات البيئة والغراسة، الذي بدأ تنفيذه في 2008 وتموله الدولة، إلى تشغيل موظفي تنفيذ وتسيير وكوادر.

وفي العام 2012 تم توقيع اتفاق بين الأطراف النقابية ووزارة الشؤون الاجتماعية ينص على تحسين ظروف العمل ضمن هذه الشركات، إضافة إلى تحديد شروط الانتداب والترقيات وإسناد المنح والحوافز.

وتؤكد أوساط  مختلفة في تونس أن شركات البيئة والغراسة التي تم إحداثها في الحوض المنجمي من بين برامج التشغيل الهش التي تعتمدها الدولة، ويطالب كثيرون بإلغائها وتعويضها ببرامج دائمة.

وتتواتر في تونس احتجاجات أشخاص تم إدماجهم ضمن برامج تشغيل مختلفة للمطالبة بتسوية وضعياتهم المهنية عن طريق تثبيتهم في وظائفهم أو رفع أجورهم. ومن بين هذه البرامج الحضائر والآليتان 16 و20، التي من خلالها يتم توفير فرص عمل للعاطلين سواء من خريجي الجامعات أو مِمَّن لم يكملوا تعليمهم في مجالات مختلفة مثل الوظائف الإدارية والتعليم والصحة والعدل والحراسة والتنظيف.

4