انتقادات للبرلمان التونسي بسبب تعطيل المحكمة الدستورية

غياب التوافق بين النواب يعطل انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، والأحزاب متخوفة من صلاحيات الهيئة القضائية المستقلة.
الخميس 2018/03/08
الخلافات تعطل تنفيذ الالتزامات

تونس – تعرض مجلس نواب الشعب في تونس لموجة انتقاد جديدة بسبب تأخره في تركيز المحكمة الدستورية، رغم انقضاء الأجل الدستوري الموجب لتنصيب المحكمة.

وشدد محمد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب، الأربعاء، على أهمية انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية في الجلسة البرلمانية العامة المقررة في 13 مارس الجاري.

وقال الناصر، خلال اجتماع رؤساء الكتل البرلمانية المخصص لتقريب وجهات النظر حول أعضاء المحكمة الدستورية ، إن “التوافق بين مختلف الكتل حول المرشحين (لعضوية المحكمة الدستورية) سيمهد الطريق لعملية التصويت” خلال الجلسة العامة الانتخابية التي تستوجب حصول المرشح على أغلبية ثلثي أعضاء المجلس.

ودعا إلى المزيد من التشاور والتوافق “بهدف بعث رسالة ايجابية بوضع اللبنة الأولى في تركيبة مجلس المحكمة الدستورية”.

وتتكون المحكمة الدستورية من 12 عضوا ينتخب البرلمان أربعة منهم، ويعين المجلس الأعلى للقضاء أربعة أعضاء كما يعين رئيس الجمهورية أربعة أعضاء.

وعلى الرغم من تنصيص الدستور التونسي على إرساء هذه الهيئة في أجل سنة من تاريخ الانتخابات التشريعية، التي أجريت في أكتوبر عام 2014، إلا أن البرلمان عجز عن إرسائها.

 

عطل غياب التوافق بين نواب البرلمان التونسي عملية تركيز المحكمة الدستورية التي نص عليها الدستور التونسي، باعتبارها هيئة قضائية مستقلة تختص في مراقبة دستورية القوانين ومشاريع القوانين وضمان علوية الدستور وحماية النظام الجمهوري الديمقراطي. ولمجلس نواب الشعب صلاحية اختيار أربعة أشخاص من أعضاء المحكمة الدستورية ونفس الأمر بالنسبة لكل من رئاسة الجمهورية والمجلس الأعلى للقضاء.

ويرى مراقبون أن التجاذب الحزبي وحالة التأزم السياسي لعبا دورا في عرقلة عملية إرساء مؤسسة توكل إليها مهمة حماية المسار الانتقالي بالبلاد.

ومنح الدستور المحكمة الدستورية صلاحيات تشمل مراقبة دستورية القوانين ومشاريع القوانين والمعاهدات الدولية والنظام الداخلي للبرلمان. كما أوكلت لهذه الهيئة القضائية المستقلة مهمة ضمان علوية الدستور وحماية النظام الجمهوري الديمقراطي والحقوق والحريات في نطاق اختصاصاتها.

وقال طيب المدني رئيس لجنة التشريع العام بالبرلمان، لـ”العرب”، إن “عدم تركيز المحكمة الدستورية يعود أساسا إلى صعوبات في آلية اختيار أعضائها والتي يفرضها القانون”.

وتعطلت عملية اختيار مجلس نواب الشعب لأعضاء المحكمة الدستورية بسبب عدم التوافق بين الكتل البرلمانية، مما أسفر عن إرجاء العملية إلى موعد آخر. وكان من المفترض أن ينتخب البرلمان أربع شخصيات لعضوية المحكمة الدستورية أواخر العام الماضي.

وأشار المدني إلى أن “مجلس النواب أعاد فتح ملفات المرشحين ليختار من بينها أربعة من أعضاء المحكمة الدستورية”، مضيفا أنه “تم قبول خمسة ترشحات”.

واستبعد المدني أن ينجح البرلمان في حسم مسألة التوافق حول أعضاء المحكمة الدستورية في آجال قريبة، إذ ما زال المجلس منهمكا في عملية اختيار الثلث الأول من التركيبة بالإضافة إلى انشغال الطبقة السياسية بتنظيم الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها في مايو القادم.

ودعا المدني “الكتل النيابية إلى الإسراع في ترشيح الأشخاص المعنيين لتركيز المؤسسة الدستورية”.

ولم ينكر رئيس لجنة التشريع وجود ضغوط سياسية في عملية تركيز المحكمة الدستورية. وأوضح أن هناك أطرافا حزبية تحاول فرض وجهة نظر الفريق الذي تمثله في عملية اختيار الأعضاء، في مسعى لإيجاد توازنات داخل المحكمة الدستورية في المستقبل حفاظا على نفوذه. وقال المدني إن الأحزاب التي تمارس الضغط متخوفة من تقييد نفوذها إذا تم تركيز محكمة دستورية محايدة في مراقبتها لكل الأطراف. وأقر المدني بأن كل قرار يتخذه البرلمان يحمل صبغة سياسية. وتابع “ستقع مخالفة شرط الحياد حيث أن آلية الاختيار تخضع لوجهة رأي سياسية لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها”.

ولفت إلى أن “المصلحة السياسية موجودة من خلال عملية اختيار تركيبة المرشحين للمحكمة حيث تمنح أريحية سياسية للأطراف المشاركة في الحكم”.

وطالت انتقادات تعطيل إرساء المحكمة الدستورية كذلك رئاسة البلاد حيث حملها مراقبون مسؤولية تأخر تركيز هذه الهيئة القضائية. واستنكرت الرئاسة التونسية الاتهامات الموجهة إليها.

وأكدت الناطقة الرسمية باسم الرئاسة سعيدة قراش، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن “رئيس البلاد هو الجهة الوحيدة التي قامت بدورها للضغط من أجل الإسراع في إرساء المحكمة الدستورية”.

الطيب المدني: اختيار أعضاء المحكمة الدستورية يخضع لمواقف سياسية لا يمكن إهمالها
الطيب المدني: اختيار أعضاء المحكمة الدستورية يخضع لمواقف سياسية لا يمكن إهمالها

وذكّرت قراش بالرسالة التي بعث بها الرئيس الباجي قايد السبسي إلى البرلمان عام 2016 لحث النواب على الإسراع في إرساء المحكمة الدستورية. كما ذكرت بالبيان الأخير لمجلس الأمن القومي الذي دعا كذلك إلى الإسراع في هذه العملية. وقالت قراش إن “رئيس البلاد قام بدوره”.

وتوقع خبراء قانون أن تلقي التوازنات السياسية التي أثرت في مناقشة قانون المجلس الأعلى للقضاء، والتي عطلت تركيزه سابقا، بظلالها على العديد من المؤسسات القضائية وعلى رأسها المحكمة الدستورية.

ولم يخف مراقبون وناشطون في المجتمع المدني أن يكون تعطيل تركيز المحكمة متعمدا، بسبب توجس الطبقة السياسية من الصلاحيات الواسعة الممنوحة للمحكمة الدستورية بشأن مراقبة الأغلبية النيابية وأداء السلطة التنفيذية.

وقال مصطفى عبدالكبير المحلل السياسي والناشط الحقوقي، لـ”العرب”، إنه “بات جليا أن تعطيل تركيز المحكمة الدستورية يأتي بشكل إرادي من قبل أطراف سياسية”.

ورأى عبدالكبير أن “هناك أطرافا سياسية لا ترغب في التداول السلمي على السلطة”.

وفسر ذلك بأن “هذه الأطراف تسعى إلى تعطيل إرساء المحكمة من خلال الاستعمال السيء للقانون والتطبيق الخاطئ له” إلى جانب انعكاسات التجاذب السياسي على هذه العملية.

واعتبر أن المحكمة الدستورية عنصر أساسي من عملية نجاح الانتقال الديمقراطي، مؤكدا أنه إذا كانت هناك رغبة من قبل النخبة السياسية في تأسيس دولة المؤسسات والقطع مع منظومة الاستبداد والدولة ذات المرجعية الواحدة “فإن ذلك يتطلب إحداث هذه المؤسسة لتتحول البلاد إلى دولة قادرة على تكريس مبدأ توزيع السلطة”.

وتعد المحكمة الدستورية، في حال تم تركيزها، المرجع الأساسي لكل الخلافات الدستورية والقانونية في تونس.

4