انتقاد ترودو للسعودية يتحوّل من لعبة دعائية إلى مغامرة باهظة الثمن

إلغاء صفقة مدرعات للرياض سيوجه ضربة لصناعة السلاح الكندية، وتبعات قد تطال المستقبل السياسي لرئيس الوزراء الكندي.
الأربعاء 2018/12/19
للعب حدود وضوابط

لعبة الضغوط على السعودية باستخدام ملف حقوق الإنسان التي استمرأتها عدّة دول وأطراف كل لدوافعه الخاصّة، لن تكون مجانية ومن دون أثمان للجميع في كل الأوقات، وخصوصا لهؤلاء المرتبطين بالمملكة بمصالح اقتصادية ومنافع مادية، وهو ما ينطبق بوضوح على الحالة الكندية.

أوتاوا - تحوّل انخراط الحكومة الكندية بقيادة جاستن ترودو في انتقاد السعودية وتبادل السجالات مع الرياض بشأن ملف حقوق الإنسان في المملكة، من لعبة دعائية مريحة ومجزية في تحسين مستوى الشعبية وجلب الأصوات الانتخابية إلى ورطة، حين بات على أوتاوا أنّ تسدّد أثمانا مالية تقدّر بمليارات الدولارات، وقد تكلّف عشرات الآلاف من الوظائف لتصبح اللعبة بذلك ذات نتائج عكسية تماما.

وأعلى ترودو من سقف انتقاداته للسعودية في خضمّ الضجّة التي أثارها مقتل الصحافي جمال جاشقجي في أكتوبر الماضي داخل سفارة بلاده في إسطنبول، لكّن رئيس الوزراء الكندي تحوّل إلى ضحية لضغوط الأوساط الليبرالية التي ينتمي إليها بهدف دفعه إلى ترجمة انتقاداته إلى أفعال أولها إلغاء صفقة بيع عربات مدرّعات للرياض تصل قيمتها إلى 13 مليار دولار كانت قد تفاوضت بشأنها حكومة المحافظين السابقة.

ومسايرة للرأي العام المتأثر بموجة انتقاد السعودية وتهديدها بالعقوبات، تعهّد ترودو بأن تكون هناك عواقب لمقتل خاشقجي، لكّن مطالب المعارضين فاقت درجة المستطاع حين أصرّوا على ضرورة إنهاء الصفقة.

وسيعني ذلك بالنسبة لحكومة ترودو خسارة مالية كبيرة قد تجّره إلى خسارة سياسية أكثر فداحة في فترة يستعد فيها لخوض انتخابات تشريعية بمواجهة المحافظين الساعين إلى العودة للسلطة والثأر لهزيمتهم سنة 2015.

وحذرت الوحدة الكندية لشركة جنرال دايناميكس العاملة في مجال صناعة السلاح، أوتاوا من أن الحكومة الاتحادية ستتحمل التزامات بمليارات الدولارات إذا ألغت من جانب واحد اتفاقا لبيع مدرعات للسعودية.

وجاء ذلك في بيان أصدرته الشركة تعليقا على قول رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو للمرة الأولى إن حكومته الليبرالية تبحث عن سبيل للخروج من الاتفاق، قائلا في معرض ردّه على المطالب بإلغاء الصفقة إنّ “العقد الذي وقّعته الحكومة الكندية السابقة يجعل من الصعب للغاية تعليقه أو الخروج منه”، مضيفا أن حكومته تدرس عدة خيارات وأنه لا يريد أن يجعل الكنديين “يدفعون فاتورة بمليار دولار لأننا نحاول المضي قدما في التصرف بشكل سليم”.

وقالت شركة جنرال ديناميكس التي يقع مقرّها الرئيس في الولايات المتحدة “إذا فسخت كندا العقد من طرف واحد فإنها ستتحمل التزامات بمليارات الدولارات لوحدة جنرال داينامكس لاند سيستمز- كندا”.

وأضافت “فسخ العقد سيكون له تأثير سلبي كبير على موظفينا الذين يتمتعون بمهارات عالية وعلى سلاسل التوريد الخاصة بنا في أنحاء كندا وعلى قطاع الدفاع الكندي بوجه عام”.

تجد السعودية دائما ما يكفي من أوراق القوة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لمقاومة الضغوط مهما كان مصدرها

وتعود الأزمة بين الرياض وأوتاوا إلى ما قبل مقتل خاشقجي حين أثارت الحكومة الكندية حفيظة نظيرتها السعودية بالقول إنّ على سلطات المملكة أن “تفرج فورا” على من سمّتهم الخارجية الكندية “سجناء رأي” الأمر الذي اعتبرته الرياض تدخّلا صارخا في الشأن الداخلي للمملكة، معلنة عن سلسلة من الإجراءات الصارمة التي فاجأت أوتاوا، وجرّت عليها انتقادات من الداخل الكندي اتّهم أصحابها حكومة جاستن ترودو بقلّة الخبرة في إدارة العلاقات الخارجية للبلد، وبالمقامرة بمصالح حيوية لكندا لقاء إصدار مواقف لفظية هادفة لتلميع صورة حكومته بتصويرها وصيّة على حقوق الإنسان في العالم.

وجمّدت السعودية في أغسطس الماضي، التجارة مع كندا وأوقفت واردات الحبوب وطردت السفير الكندي وأمرت جميع الطلبة السعوديين في كندا بالعودة إلى الوطن.

ورأى مراقبون في الموقف الصارم للسعودية حيال الانتقادات الكندية ملامح توجّه سعودي لمقاومة نزعة معروفة لدى العديد من الدول والمنظّمات الغربية تقوم على الضغط على الدول باستخدام ملف حقوق الإنسان للحفاظ على وضع من يعطي الدروس لتلك الدول.

وبذات الصرامة ردّت المملكة على مجلس الشيوخ الأميركي، معتبرة في تصريح صادر عن خارجيتها أن موقفه من مقتل خاشقجي مبني “على ادعاءات واتهامات لا أساس لها من الصحة، ويتضمن تدخلا سافرا في شؤون المملكة الداخلية، ويطال دورها على الصعيدين الإقليمي والدولي”.

وبحسب مراقبين فإن السعودية ستجد دائما ما يكفي من أوراق القوة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لمقاومة الضغوط مهما كان مصدرها، مشيرين إلى أنّ من بين تلك الأوراق شبكة العلاقات الواسعة عبر العالم ما يجعل الدول تخشى انصراف الرياض عنها نحو منافسيها، وهو الأمر الذي ينطبق آليا على عملية شراء الأسلحة، حيث يخشى مصنّعون غربيون توجّه المملكة إلى السوق الروسية على سبيل المثال، وهو ما أشار إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصريحا لا تلميحا.

3