انتقاد للسلطة الجزائرية بسبب توظيف المصالحة الوطنية

وجهت انتقادات عديدة للحكومة الجزائرية بسبب ما اعتبره معارضون “توظيفا” من السلطة لملف المصالحة خدمة لغاياتها السياسية بهدف تمهيد الطريق لتنفيذ برامجها التي وصفت سابقا بـ”القاسية”، من خلال تخويف الجزائريين من العودة إلى أوضاع عدم الاستقرار والعنف التي عاشتها البلاد في تسعينات القرن الماضي.
الأحد 2017/10/01
حسابات سياسية تغير الأسلوب

الجزائر - جندت الحكومة الجزائرية برئاسة أحمد أويحيى جميع منصاتها الدعائية وأذرعها السياسية من أجل تمرير برنامجها الذي سينطلق مطلع العام القادم.

ورغم اعترافها بسنوات من جحيم في انتظار الجزائريين، إلا أن الحكومة تعمل على جعله خيارا واحدا بهدف مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية على التوازنات الداخلية وعلى الاستقرار الاجتماعي.

واعتمد أويحيى خطاب تخويف يخير من خلاله الجزائريين بين القبول بخيارات حكومته أو مواجهة وضع كارثي.

وانتقد رئيس حزب جبهة المستقبل بلعيد عبدالعزيز خطاب التخويف لوضع الجزائريين بين خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بخيارات الحكومة المثيرة للجدل والمخاوف، أو انتظار أوضاع كارثية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي كالعجز عن تسديد رواتب موظفي القطاع الحكومي والمتقاعدين.

وقال عبدالعزيز، الجمعة في ندوة صحافية، إن “العودة المثيرة لصور الإرهاب والأعمال الإجرامية والمجازر التي ارتكبت في حقبة تسعينات القرن الماضي إلى شاشات البعض من وسائل الإعلام تنطوي على رسائل تخويف وتهديد للشعب الجزائري بالعودة إلى هذه الأوضاع الكارثية إذا تم تعطيل تنفيذ برنامج الحكومة”.

وتحت غطاء الاحتفال بالذكرى الثانية عشرة لميثاق السلم والمصالحة الوطنية، عرض التلفزيون الجزائري وفضائيات مقربة من السلطة برامج عن أعمال وحشية ودموية نفذتها الجماعات المتطرفة في تسعينات القرن الماضي ضد سكان مناطق متاخمة للعاصمة الجزائرية من بينها بن طلحة والرايس والبليدة.

وذكر عبدالعزيز أن “المصالحة الوطنية التي طوت سنوات الاقتتال والدم في الجزائر لا يجب أن تنسب لشخص بعينه وإنما لجميع الجزائريين”، في إشارة إلى توظيف الملف سياسيّا لصالح السلطة من طرف أذرعها السياسية ومنصاتها الإعلامية والتي تروّج أن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة هو صاحب الخيار والفضل في إرساء ميثاق السلم والمصالحة الوطنية.

وأضاف “الفضل في المصالحة الوطنية يعود إلى الشعب الجزائري بكامله فهو الذي عبر عن نزوعه للسلم ووقف نزيف الدم في البلاد”، متابعا “والكل يعرف أين كان الرئيس الحالي في ذلك الوقت”، في إشارة إلى إقامة بوتفليقة خلال تلك الفترة في منفى اختياري خارج البلاد.

ويرفض أغلب المعارضين الجزائريين نسب المصالحة الوطنية في البلاد إلى شخص بوتفليقة وحده، ويشددون على دور المؤسسات والفعاليات الأخرى في المجتمع والدولة على غرار جهاز الاستخبارات والسلطة السابقة بقيادة الرئيس اليامين زروال.

ويرى معارضون أن الاستخبارات والجيش والرئاسة مهدت الطريق نحو إرساء المصالحة الوطنية عبر مراحل، بدأت بقانون الرحمة التي أطلقها الرئيس الجزائري السابق اليامين زروال.

معارضون جزائريون يرفضون نسب المصالحة الوطنية إلى شخص الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وحده ويؤكدون على دور المؤسسات والفعاليات الأخرى في المجتمع والدولة على غرار جهاز الاستخبارات والسلطة السابقة

كما باشر كبار ضباط جهاز الاستخبارات (الجنرال الراحل إسماعيل العماري والجنرال المعزول محمد مدين) اتصالات مع قادة الجماعات المسلحة في منتصف تسعينات القرن الماضي مما مكن من ترتيب المراحل اللاحقة تمهيدا للمصالحة.

ويرى مراقبون أن مساعي وقف الاقتتال ونزيف الدم في الجزائر كانت تصطدم في أكثر من مرة بمعارضة داخلية في السلطة، بسبب نفوذ من كانوا يعرفون بـ”صقور الجيش” والمناوئين في الطبقة السياسية للتقارب مع الإسلاميين المتشددين. وتعرض المسار إلى محاولات إجهاض بحسب شهادات قدمها قائد من كان يعرف بـ”الجيش الإسلامي للإنقاذ” مدني مزراق.

وروى مزراق، في تصريحات صحافية أن مسار الاتصالات بين ضباط جهاز الاستخبارات وقادة التنظيم تعرض لمحاولات إجهاض من داخل السلطة “حيث تعرضت معسكراتنا في أكثر من مرة لقصف جوي وبالأسلحة الثقيلة مباشرة بعد المشاورات التي كانت تجري بيننا وبين ضباط الاستخبارات”.

ويقول مراقبون إن “الرئيس بوتفليقة كانت له الشجاعة الكافية لإخراج مشروع السلم والمصالحة من الاتصالات السرية إلى العلن وأضفى عليه الطابع السياسي والخيار الشعبي، وتمكن من احتواء معارضة المناوئين السياسيين وصقور المؤسسة العسكرية”.

ويعيب المعارضون على السلطة الحالية وحكومة أويحيى توظيف المصالحة الوطنية في خدمة أغراض سياسية ضيقة واستعمالها في تخويف الجزائريين، بعد 12 عاما من الاستفتاء على ميثاق السلم، من خطر العودة إلى تلك الأوضاع إذا تم الوقوف في وجه الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تتهيأ الحكومة لتنفيذها.

وصرح أويحيى، أمام البرلمان بغرفتيه، بأنه لو لم يتم الاستنجاد بخيار التمويل غير التقليدي لكانت الحكومة عاجزة عن تسديد رواتب الموظفين والمتقاعدين وحتى نواب البرلمان.

ويمثل تصريح أويحيى رسالة تهديد، ليس لفئات الشعب فحسب، بل حتى للنواب حيث خيرهم بين تمرير القانون أو عدم انتظار صرف الرواتب في الأشهر المقبلة.

وتعد تصريحات رئيس جبهة المستقبل غير مسبوقة في المسار السياسي لبلعيد عبدالعزيز، قياسا بحداثة الحزب السياسي (اعتمد في 2012) والمشاركة الرمزية له في الانتخابات الرئاسية 2014 إذ لأول مرة تتصدى لتوظيف ميثاق السلم والمصالحة الوطنية للحيلولة دون إحداث أي تغيير على السلطة.

كما تضاف إلى ذلك الانتقادات التي ما فتئت جمعيات المفقودين توجهها إلى الميثاق والسلطة معا بسبب عدم كشف الحقيقة والمسؤولية في هذا الملف. ويتمسك العديد من الجزائريين بضرورة معرفة حقيقة اختفاء أقاربهم.

ورغم اللهجة المتشددة التي اعتمدها أويحيى تجاه المعارضة الإسلامية، إلا أنه التزم بما أسماه “تطبيق قانون المصالحة الوطنية نصا وروحا ” وهو ما يتنافى مع القناعات الشخصية لأويحيى المعروف بمواقفه المعادية للإسلاميين والرافضة لأي تسوية سلمية مع المجموعات المسلحة.

ويترجم أسلوب أويحيى الجديد نوايا أذرع السلطة في التمرس بالملف لتوظيفه في تمرير مشاريعها وضمان استمرارها.

2