انتقال المجتمع إلى الحداثة أول ما ينعكس على المرأة

الروائية الإماراتية مريم الزرعوني تكتب رسالة من هارفارد متفائلة بالمستقبل.
الاثنين 2019/08/19
المرأة الإماراتية المبدعة شكلت بصمة فارقة

تزخر الساحة الثقافة الإماراتية بالكثير من الطاقات الإبداعية الهامة، التي تمكنت من فرض إنتاجاتها على مستوى المشهد الثقافي الخليجي والعربي، ولكن مازالت الكثير من الطاقات الإبداعية في حاجة للكشف عنها خاصة على المستوى العربي للتعريف بالإبداعات الإماراتية المعاصرة والتي كسرت الصورة النمطية عن الإنسان الخليجي، وقدمت إنتاجات مجددة ولها حضور يستحق الاكتشاف والمتابعة. في هذا الحوار مع الكاتبة الإماراتية مريم الزرعوني نحاول أن نسلط الضوء على جزء من المشهد الثقافي في الإمارات.

  في عام 2017 أصدرت الشاعرة والروائية والتشكيلية الإماراتية مريم الزرعوني مجموعة شعرية حملت عنوان “تمتمات”، وفي نفس العام أصدرت عن دار قنديل الإماراتية رواية “رسالة من هارفارد”، وهي الرواية الفائزة بالمركز الأول (فئة أدب الطفل)، بجائزة العويس للإبداع في الدورة الـ25 للعام 2018. وقد أنجزت الرواية بإشراف الباحثة وفاء ثابت المزغني، وذلك ضمن إطار برنامج دبي الدولي للكتابة.

من خلال مجموعة فلاشات تربوية تعالج رواية “رسالة من هارفارد” حالات انكسار الطفولة البريئة على طريقة النقد التربوي للمدرسة وللنظام التعليمي في دوائره الصغيرة، وذلك عبر توسيع مناخات الكتابة ناحية علاقة الأطفال بأيام الأسبوع. تنتقل المشاهد من مشهد إلى مشهد آخر من خلال عيون فتاة مراهقة في الرابعة عشرة من عمرها، مستعينة بذاكرتها اليومية، وبحكايات الجدات، وعقد المقارنات بين الماضي والحاضر الجغرافي والتاريخي.

تحاول الرواية في تفاصيلها أن تلتقط صورة بانورامية على فصل دراسي للبنات أثناء حصة (الاحتياط)، لتوسع المشهد الراصد لصور متفرقة لحالات مختلفة من المواقف والحكايات المتعلقة بالحب والأسرار والعلاقات الرومانسية البريئة، بالإضافة إلى الكفاح اليومي من أجل إثبات الذات والنجاح الشخصي والوطني.

وعن انتقالها من منصة الشعر إلى السرد توضّح الزرعوني بأن الأقدار أخّرت الشِعر، فجعلت الإصدارين متزامنين في نفس العام خلال معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017.

التأهيل الذاتي

رواية تنقد الواقع التربوي
رواية تنقد الواقع التربوي

تقول “منذ البدء استحوذ الشعر على اهتمامي، وتأثرت به ذائقتي، وكان له النصيب الأوفر في قراءاتي، حتى صار الأسبق إلى التجلي والظهور في كتاباتي الأولى. بينما السرد جاء بقرار متأخر على الشعر، حين التحقت بورشة للكتابة الإبداعية، خاصة بأدب الطفل واخترت أن أبدأ باليافعين.

 كما أنني لا أرى ضيراً من انتقال الكاتب بين مجالات الأدب؛ إن توفرت له الأدوات والمواضيع، فثمة فكرة تحتاج أن تقدح لها ومضة شعرية وحسب، وهناك أفكار قد يتطلب طرحها ومعالجتها مساحة أرحب وتقانة مختلفة ربما تظهر في صورة قصة قصيرة ورواية”.

إماراتيا، تفتقر الإمارات للحضور الثقافي على مستوى المثقفين، حيث تحضر دولة الإمارات العربية المتحدة كواجهة إعلامية ثقافية أكثر من كونها واجهة إنسانية تحظى بوجود مثقفين وفنانين وروائيين وشعراء قادرين على الأخذ بالسؤال الثقافي الخاص بجغرافيتهم ناحية الآخر العربي والعالمي، وذلك بخلاف ما تسوقه شاشات الميديا للعالم. فهل على الأديب الإماراتي أن ينشغل بنصه المحلي أم أنه يجب أن يذهب لحالة الإنسانية متجاوزا محليّته.

وعن هذا الشأن تعلّق الزرعوني “لا شكّ بأن الهمّ المحلي جزء من كلية الهموم الإنسانية، والاشتغال على الخصوصية، وجماليات التفاصيل في المواضيع المحلية على اعتبارها قطعة فسيفساء في لوحة الإبداع الإنساني سيكسبها بُعدا أعمق، وعلى الأرجح أنه سيمد جسرا متيناً نحو العالمية. ثم يأتي دور المؤسسات الثقافية المحلية في تسويق صفوة الأدب الإماراتي، وإيجاد موضع قدم له على الساحة العالمية، وهذا لا تكفيه الأدوار التقليدية، كالترجمة والمشاركة في المعارض والمحافل الثقافية، بل يتطلب تأهيلاً ذاتياً للكاتب، وجاهزية عالية لتمثيل إبداعه عندما يتطلب الأمر”.

وتتفق الزرعوني مع الرأي الآخذ بغياب القضايا المفصلية والسياسية في النصوص الجديدة، حيث اهتمام الكتاب الجُدد بالقضايا الصغرى المتعلّقة بهمومه الشخصية اليومية، وتشير الزرعوني إلى أنه لو استعرضنا الأحداث الكبرى في عالمنا العربي منذ تسعينات القرن المنقضي إلى اليوم، فسنجد الانهيار “الثاني” لما تبقى من فكرة القومية العربية، وذلك -بحسب تعبيرها- بعد غزو العراق للكويت، وانشقاق الصف العربي، ثم ما تبعه من نظرة العالم الغربي تحديدا إلى العرب والمسلمين في مطلع الألفية بعد أحداث سبتمبر، وما تلا ذلك من الثورات العاثرة في بعض الدول العربية والتي جلبت على أهلها الويلات والخراب، وتطورت إلى حروب أهلية وصراعات على السلطة.

تخلص كاتبتنا إلى أن ذلك كله كان كفيلا بتراجع الحس القومي، وتبلّد الشعور، وكمحصلة للاحباطات المتوالية انشغل الكاتب العربي بهمه اليومي وأسئلته الوجودية الخاصة، ليصنع عوالمه الروائية.

وتتابع في الشأن نفسه “رغم أن الرواية لم تصل بعد إلى الحيّز الذي يشغله الشعر والقصة القصيرة في الإمارات، لا من حيث تاريخ الاشتغال ولا العدد، ولا الاحترافية، إلّا أنّني لا أجد خللاً في ذلك، فالتحولات المفاجئة التي خاضها مجتمع الإمارات من البساطة ومحدودية الموارد والسلم قبل الاتحاد، إلى الحداثة بكل تعقيداتها من رفاهية وانفتاح على عوالم جديدة، وتحديات على عدة مستويات بعد الاتحاد، كل ذلك يتطلب زمناً كافياً ليتم امتصاصه وتبلوره في صوره الأدبية المناسبة، هذا بدوره انعكس على المرأة في مجتمع سادت فيه لفترات طويلة العقلية الذكورية، والإقصاء في مناح عديدة.

وتضيف “استمر هذا الأمر حتى شرعت المرأة في التحرّر من ذلك بدعم من القيادة الرشيدة، والقرارات الحكومية. فطال ذلك التحرر الأدب والكتابة النسائية، وأنتج أعمالا فارقة شكلت بصمة في فضاء الرواية، وأرى أنّ أهمها ‘زمن السيداف’ للكاتبة وداد خليفة. كما أن الساحة الإماراتية لم تخلُ على مدى سنوات من التجارب الروائية الشابة، والتي لاقت صدى طيبا لدى المتلقي، كما حصدت الجوائز”.

حلقة وصل

روائية ذات ميول شعرية
روائية ذات ميول شعرية

وفي سؤال حول أن معظم الروائيات العربيات يجنحن للنص الرومانسي العاطفي وهو نص متشابه بين جيل كبير من التجارب. تجيب “إن سلمنا أن العاطفة تشغل حيزا كبيرا من تفكير المرأة تبعاً لتكوينها النفسي والفيزيولوجي، فسنعرف سبب هذا الجنوح، فربما كانت العاطفة في ما يخص علاقتها بالرجل تشكل جزءاً لا يمكن إغفاله، ولكن هذا لا يعني أنه اقتصر عليها، وهنا أتذكر الشاعرة حمدة خميس فقد خصصت مجموعة شعرية للنصوص الوطنية ولديها نصوص أخرى تفيض أمومة وتأملات في العُمر وحياة النساء بعيدا عن الرجل، كما كتبت ظبية خميس نصوصا في التصوف والاستنارة والارتحال والعلاقات الإنسانية”.

وتؤكد الزرعوني في ختام الحوار بأن الأجيال السابقة على جيلها في الإمارات كسبت فضل السبق، والتقدم عليهم في الريادة والتجربة. وترى بأنه لن تكتمل تجارب جيلها إلا بالعبور من خلال تلك الخبرات، فيستحسن (والكلام للزرعوني) الاطلاع عليها، والوقوف على المميز منها، وتدقيق جوانب القوة فيها، والاستفادة من مواضع الخلل. ليس فقط لاجتناب السقطات، ولكن ذلك سيضمن عدم الوقوع في التكرار، وربما يفتح أبوابا لأطروحات مختلفة في ذات الموضوع.

تقول “أرى أنّ الاطلاع على السّير الذاتية للأولين، سواء في الكتب، أو عن طريق اللقاء الشخصي بالأديب، سيخلق حلقة وصل بين الأجيال، كما سيؤصل تجربة الكاتب الناشئ.أما أنا يشغلني هذا التسارع الذي يدفع بالعالم نحو التشيؤ، ويجعلني في يقظة مستمرة للخيوط التي تربطني بإنسانيتي خشية انزلاقها”.

15