انتقال مشاحنات الصغار إلى ذويهم يفسد العلاقات بين الكبار داخل الأسرة الواحدة

تدخل الكبار في شجار الصغار والاحتفاظ بالمواقف السلبية يؤثر على العلاقات العائلية خاصة إذا ما اعتبر الأولياء أن هذا النوع من الخلافات بمثابة تعد على الحقوق.
السبت 2021/05/08
خلافات الأطفال تبدأ بمزح وتنتهي بشجار

يؤكد خبراء علم النفس أن مشاعر الحقد والتباغض والغيرة عند بعض الأشقاء تجعل مشاحنات أطفالهم البسيطة سببا في المزيد من التباعد وتعميق الفجوة الموجودة بينهم. وينصح الخبراء بعدم تدخل الوالدين (الأشقاء) في خصومات أطفالهم لأنها أمر طبيعي، يؤدي تهويله إلى الإضرار بالعلاقات العائلية.

يبدأ خلاف الأطفال عادة بمزح ينتهي إلى شجار، ما يؤثر على علاقة الأهل ببعضهم، ويظل الكبار في حيرة بين أمرين، فإما التدخل وتجاهل قدرة الأطفال على حل مشاكلهم، وإما تركهم يخوضون التجربة، ليتعلموا من خلالها ثقافة الاختلاف.

لكن في بعض الأحيان تنقلب مشاحنات الأطفال البسيطة إلى عداءات لا تنتهي بين أفراد العائلة الموسعة وخاصة الأشقاء وذلك لوجود أرضية مهيأة للتباغض سلفا، ما يعطي للمشكلة حجما أكبر.

وقد تصل العداءات بين الإخوة حد القطيعة وعدم التزاور حتى في الأعياد والمناسبات أو عند المرض ما يؤدي عادة إلى حرمان الأجداد من رؤية أحفادهم خصوصا إذا كان الأطفال المتخاصمون أبناء للأولاد الذكور، لأن السلفات عادة يبحثن عن خيط رفيع لافتعال المشاكل.

تقول هاجر قلاقة طالبة جامعية إنها تحرص دائما على ألا يجتمع كل إخوتها وأطفالهم ونساؤهم في يوم واحد بمنزل والديها حتى لا تقع المشاحنات بين الصغار فتنتقل العدوى إلى الكبار. وتشير إلى أنه قد حدث أن دفع ابن أخيها ابنة أختها فسقطت أرضا وارتطم رأسها بالقاعة لكن من ألطاف الله أنه لم يحدث لها مكروه ولم تعلم أختها بالحادثة وإلا لحدثت مشكلة أكبر.

وتضيف قلاقة لـ”العرب” أنها عادة ما تحاول الصلح بين أطفال أشقائها وشقيقاتها، خاصة عند زيارة الأشقاء الأسبوعية لمنزل والديها، ولطالما بادرت للصلح بين الأطفال، وتخفيف التوترات التي قد تقع بين زوجات أشقائها حتى لا تحصل القطيعة، وتكون والدتها هي الضحية وتحرم من رؤية أحفادها لشهور.

ويرى خبراء علم النفس أن الشجار أمر طبيعي بين الأطفال، ويكون على هيئة حركات جسمية أو اعتداء على ممتلكات بعضهم البعض، وقد تقل هذه المشاجرات كلما تقدم الطفل في العمر.

وتقول فاطمة سجواني موجهة الخدمة النفسية في منطقة الشارقة التعليمية إن أطفال السنة الثانية يتشاجرون كثيرا، أما أطفال السنة الرابعة فيقع شجارهم بين مرتين أو ثلاث مرات في اليوم، لأنهم يميلون إلى كثرة الحركة وإلى العنف واستخدام العضلات كالأيدي والأرجل، محاولين بذلك إثبات قوتهم وذاتهم. كما أن صفاتهم متناقضة، فحينا يكونون متعاونين وأحيانا يكونون عنيدين مع طغيان النزعات القيادية لديهم.

وتضيف أن تدخل الكبار في شجار الصغار والاحتفاظ بالمواقف السلبية أمر يؤثر حتما على العلاقات العائلية، خاصة إذا ما اعتبر الكبار أن هذا النوع من الخلافات بمثابة تعد على الحقوق والواجبات، أو نوع من الإيذاء.

خلاف الأطفال يبدأ عادة بمزح ينتهي إلى شجار، ما يؤثر على علاقة الأهل ببعضهم
خلاف الأطفال يبدأ عادة بمزح ينتهي إلى شجار، ما يؤثر على علاقة الأهل ببعضهم

وأرجعت سجواني تلك الخلافات التي تصدر من صغار السن إلى تغيرات نفسية وجسدية طبيعية عند الأطفال الذين يكونون في الصغر شديدي الغيرة، وقد يكون السبب فيها شيء عارض سرعان ما يزول، ولكن قد تبقى العواقب الوخيمة التي قد تفسد العلاقات بين الكبار داخل الأسرة الواحدة. ودعت سجواني إلى ضرورة الاحتراز من تلك الإفرازات التي تنجم جراء مشاحنات الصغار، في حال انتقلت إلى ذويهم.

ويرى الدكتور الصحبي بن منصور أستاذ الحضارة بجامعة الزيتونة أن العراك بين أبناء الإخوة مسألة طبيعية يمليها الاحتكاك اليومي بينهم، ويتسبب فيها عدم قدرتهم على تمالك أعصابهم عند الانفعال أو الغضب، لكن يبدو أن المشكلة تكمن في عدم تحلي الوالدين بالطرق التربوية السليمة في معالجة الخصومات بين الإخوة وتهيئة ظروف التخلص منها أو التخفيف من حدتها.

لذلك فالمطلوب، حسب بن منصور، تنبيه الأولياء إلى ما يجنبهم التعامل الخاطئ مع ظاهرة نزاعات الأبناء، لأن الكثير منهم يلجأ الى العنف لتأديب المتصارعين بدل اللجوء إلى أسلوب الحوار بما يرسخه فيهم ويربيهم على التفاوض والتوافق وتوخي الحلول السلمية في مواجهة السلوكات العدوانية والتحكم في مشاعرهم السلبية نتيجة الغيرة أو الإحباط أو القلق.

وقال بن منصور لـ”العرب” إن علماء النفس والتربية ينصحون بتفادي التدخل المفرط للوالدين في حل مشاكل الأبناء، حتى يتمكنوا من توظيف مهاراتهم في حل نزاعاتهم بأنفسهم، لأنّ كل علاقة بين طرفين لا تخلو من مشاكل ولا مفر من حدوثها، لكن ينبغي التعايش في كنف الاحترام المتبادل فهذا هو الأساس وإن كان يمكن بالتوازي التعبير في كنف اللياقة عن المشاعر السلبية تجاه الطرف الآخر.

وأضاف أن أم المشاكل تبقى في صراع الأبناء داخل العائلة الموسعة لاسيما إذا كانوا من أهل الجوار، فعندها وإذا لم يحكم الأولياء التصرف معها على أساس أنها مشاكل طبيعية بين الأطفال لا يجب على الكبار التدخل فيها أو التكفل بالرد على خصم ابنهم المتغلب عليه بالعدوان الجسدي أو اللفظي، حتى لا تنتج معارك حامية الوطيس بين أبناء العمومة أو الأخوال أو الأقارب قد تنتهي أحيانا بكوارث تنتهي بالتحول إلى المستشفيات وبالإيقافات الأمنية.

ويرى الأخصائي النفسي أحمد جاسم أن النزاعات التي تحدث بين الصغار قد تكون سببا في حدوث القطيعة بين الكبار دونما وعي بأهمية فصل الانفعالات التي تحدث لدى الصغار، وعدم تسربها إلى الكبار، مستغربا من قيام بعض الكبار بتفاقم الخلافات التي تحدث بين الصغار، وتحويلها إلى غضب وقطيعة بين الكبار، معتبرا أن ما يحدث بين الصغار من خلافات سببه أنهم لا يزالون صغارا، ولا يستطيعون إدراك الأمور على حقيقتها، خاصة حين نرى الكثير من الأطفال سرعان ما يعودون للعب مع بعضهم.

العداءات بين الإخوة قد تصل حد القطيعة وعدم التزاور حتى في الأعياد  ما يؤدي إلى حرمان الأجداد من رؤية أحفادهم

وقال “ينصح الكثير من التربويين بأن يفض الأبناء مشاكلهم بأنفسهم، فإذا تعلم الطفل كيف يتفاهم مع الآخرين، يصبح أكثر قدرة على التواصل وتقوية مهاراته الاجتماعية وإقامة علاقات وطيدة مع المحيطين”. ولفت إلى أنه في النهاية يبقى الشجار بين الأطفال حالة طبيعية لا تستدعي منا الخوف والقلق، بل يجب الإسراع في اتخاذ التدابير الفورية واستدراك مواقف الشجار وتحري أسبابها وبث روح المحبة والألفة بين الأبناء وإشغالهم واستثمار أوقات فراغهم.

وينصح خبراء التربية يأن يدع الأهل للأطفال فرصة للتعبير الصريح عن عواطفهم وانفعالاتهم حتى يتسنى لهم التنفيس عن انزعاجاتهم. وألا يسمحوا لهم بأذية أو إزعاج الآخرين،‏ وعدم التفوه بالألفاظ النابية لأي من الأشقاء، سواء الصغار أو الكبار،‏ وعدم استخدام أغراض الآخرين إلا بعد الاستئذان‏.

كما على الأسرة أن تمتدح الأبناء وتثني على تصرفاتهم الصحيحة‏ وتغرس القيم الأخلاقية والفضائل الحسنة في نفوسهم. ويجب أيضا أن تشجع الأسرة أطفالها لاستضافة أصدقائهم المقربين في المنزل في يوم محدد من الأسبوع، ما من شأنه أن يخفف من حدوث المشاجرات تدريجيا.

21