انتهاء داعش.. وعودة القاعدة

دول التحالف تواجه تحديات كبرى، بشأن استمرار نشاط التنظيم، بوصفه جماعة منهزمة عسكريا، وقد تعود باسم جديد.
الأحد 2019/03/31
نهاية داعش على الأرض

أعلن مجلس سوريا الديمقراطية، الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية، السبت الماضي، القضاء على تنظيم داعش، في جيب الباغوز، معقله الأخير في الأراضي السورية؛ لكن فرحة تلك القوات بإعلان الانتصار جاءت منقوصة، حيث تواجه ارتباكا مزدوجا.

السبب الأول لهذا الارتباك يتعلق بمصيرها، بعد انتهاء المهمّة الموكلة إليها من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، أواخر 2015، وهي محاربة التنظيم المتطرف. والسبب الثاني أن هذه القوات عاجزة عن التصرف بأسرى التنظيم لديها، والبالغ عددهم 7000 مقاتل من داعش، من 54 دولة، عدا السوريين والعراقيين، وترفض دولهم استقبالهم وإعادة تأهيلهم.

لذلك، طالب مجلس سوريا الديمقراطية دول العالم بإنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة مسلحي داعش. هذا فضلا عن مخيّمات النازحين من مناطق التنظيم، التي كان يقطنها قرابة 100 ألف مواطن مدني، قبل انضمام 73 ألفا آخرين ممّن استسلموا مؤخرا منذ مطلع العام الحالي، بينهم الآلاف من الأطفال الذين تربوا على ذهنية داعش العدمية، ويحتاجون إلى إعادة تأهيل.

قوات التحالف لم تحتفل بنهاية التنظيم على الأرض كما ينبغي، لأنّها تعلم أن ذلك لا يعني نهايته، خاصة أنه لم يتم العثور على مؤسسه أبي بكر البغدادي.

كما يمتلك التنظيم قدرات تنظيمية وتكتيكية واستخباراتية ولوجستية، وكذلك حاضنة شعبية، خاصة في المناطق السنية بالعراق، في ظل الاستقطاب السني- الشيعي، الذي تتسبب فيه الصبغة الطائفية للجيش والأمن العراقيين، فضلا عن ميليشيات الحشد الشعبي الموازية التابعة لإيران، والبالغ عددها قرابة 100 ألف مقاتل شيعي، والتي ترفع أعلامها وشعاراتها الطائفية علنا، مستفزة أهالي المناطق السنية.

عاش في ظل تنظيم داعش المتطرف، منذ 2014، قرابة 8 ملايين شخص موزعين بين سوريا والعراق، بينهم 42 ألف إرهابي أجنبي ينتمون إلى 120 دولة، ونسبة الأطفال  بينهم 11 بالمئة، وفق تقديرات الاتحاد الأوروبي.

تواجه دول التحالف تحديات كبرى، بشأن استمرار نشاط التنظيم، بوصفه جماعة منهزمة عسكريا، وقد تعود باسم جديد؛ فقد فرّت قيادات وعناصر منه، حيث لا يزال التنظيم يتحرك في مساحة كبيرة من البادية السورية مترامية الأطراف، والمتصلة بمحافظة الأنبار العراقية.

وأفادت تقديرات بقدوم ما لا يقل عن 1000 مقاتل من داعش وصلوا إلى الأنبار من سوريا، وبحوزتهم ما يوازي 200 مليون دولار من الدعم المالي، فضلا عن استمرار هجمات داعش في العراق بسيارات مفخخة. ومن المتوقع تكرار الأمر في سوريا، مع ملاحظة تنشيط بطيء لشبكات الخلايا النائمة. هذا، عدا عن إطلاق قوات سوريا الديمقراطية سراح المئات من مقاتلي التنظيم، نتيجة الضغوط الشديدة، بما عرف بـ”صفقة العشائر”، وقد اتجهوا إلى شرق سوريا، حيث يتواجد التنظيم في منطقة ممتدة من محطة تي2 النفطية في ريف البوكمال الجنوبي، إلى ريفي السخنة وتدمر غربا، وأطراف بلدتي القريتين ومهين، وصولا إلى ريف مدينة الضمير، وشرقا إلى حدود منطقة تلول الصفا في ريف السويداء الشرقي.

حراس الدين هم التنظيم الأكثر ترشيحا لوراثة داعش
حراس الدين هم التنظيم الأكثر ترشيحا لوراثة داعش

إن إنهاء داعش على الأرض، مع بقاء الآلاف من عناصره طلقاء ، وآلاف آخرين محتجزين في سجون التحالف بالعراق، وفي سجون قوات سوريا الديمقراطية بسوريا، والآلاف من عائلاتهم وأطفالهم في المخيمات، سيعني لكل هذه العناصر انتظار فرصة الإعلان عن تنظيم جهادي جديد.

بالفعل تتوالى تقارير عن تصاعد نشاط تنظيم حراس الدين في العراق، المبايع لتنظيم القاعدة، واستقطابه للهاربين من عناصر تنظيم داعش؛ بينما تنفّس تنظيم الحراس، في إدلب الصعداء، ومجّدوا صمود عناصر داعش في معاركهم الأخيرة، ورغم أن الأخير كان قد كفّر الحراس..

حراس الدين هم التنظيم الأكثر ترشيحا لوراثة داعش، لكن مع تغيير في التكتيك؛ فقد خبرت الجماعات الجهادية مخاطر امتلاك الأرض عليهم وعلى السكان؛ لذلك من العقلانية بالنسبة لهذه التنظيمات العودة إلى سياسة تنظيم القاعدة في العمل السري، والتفجيرات والعمليات الخاطفة. وتنظيم حراس الدين يشبه القاعدة الأم في عملها التنظيمي، وسرية انتشارها، والقدرة على العمل في الخفاء، ما سيسمح له بالانتشار في زمن تراجع التنظيمات المشابهة.

من الضروري تذكّر أن داعش نشأ من بقايا تنظيم القاعدة في العراق، وانتشر في ظلّ الفوضى الطائفية وعدم الاستقرار الذي سببه الاحتلال الأميركي، ثمّ دخول إيران بميليشياتها ودعمها حكومات تابعة لها؛ وقد توسع في سوريا في ظلّ الفراغ الأمني الذي أحدثه تحرير الفصائل الإسلامية للرقة ومحيطها، وانسحاب النظام من شرقي الفرات وتسليمه لمقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي.

لكن التنظيم نشأ وانتشر أيضا بتسهيلات مقصودة، أميركية وغربية، وتركية عبر فتح الحدود لحركة الجهاديين. وكان انتشار التنظيم حجّة لتدخل التحالف وعودة الولايات المتحدة إلى العراق، وللتدخل في سوريا، ولمنع انفلاته بما يمنع التحكم فيه، حيث تضم قيادات الصف الأول والثاني في التنظيم عناصر استخباراتية تتبع دولا عدة.

لكنّ سوريا والعراق ما زالا يشهدان حالة عدم استقرار تسمح للعناصر الجهادية بإعادة تشكيل نفسها؛ فالعراق يعاني من تحكم ميليشيات طائفية شيعية تابعة لإيران، ما سيبقي المظلومية السنية واحتمال ظهور التنظيمات الجهادية، وفي سوريا لا يزال التوافق على حل سياسي بعيد، مع تمسك روسيا بالنظام، وبقاء الميليشيات الإيرانية، ورغبة كل هؤلاء في فتح معارك بإدلب وبشرقي الفرات، لاستعادة السيطرة عليهما، ومع عدم التوصل إلى توافق حول المنطقة الأمنية على الحدود مع تركيا.

كلّ ذلك يشكّل تحديا للجميع، بما فيهم واشنطن، خاصة أن تنظيم حراس الدين يتحدث في أدبياته عن تصويب ناظريه نحو “العدوّ البعيد أولا”، بما ينذر بعودة نشاط تنظيم القاعدة، خاصة إن صحت التكهنات بصعود نجل أسامة بن لادن إلى قيادة القاعدة، ما سيعني إلهام جيل جديد من الجهاديين.

5