انتهاء زمن المكاتب يحوّل نيويورك إلى مدينة أشباح

أحياء الأعمال في العاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة تبحث عن مستقبل جديد.
الخميس 2021/01/28
مكاتب مغلقة يعني شوارع فارغة

لجأ سكان المدن إلى العمل عن بعد إثر انتشار وباء كورونا وما رافقه من حجر صحي، فالتزموا بيوتهم لتصبح الشوارع مقفرة، ما عطّل الكثير من المشاريع. وهذا هو حال نيويورك التي قل فيها مرتادو المقاهي والمطاعم. وينبئ الوباء بهجر الحياة التقليدية والتفكير في المستقبل.

نيويورك – نوافذ مغلقة ومطاعم ومقاه مقفلة وكل أبراج المكاتب خالية… بعد عشرة أشهر من انتشار وباء كورونا الذي حوّل مراكز الأعمال الشهيرة في نيويورك إلى مدن أشباح، حيث تتساءل الشركات عن كيفية إعادة موظفيها إلى مكاتبهم.

قال كينيث ماكلور نائب رئيس شركة “هوسبتاليتي هولدينغز” -التي يعج مطعمها في حي ميدتاون عادة برجال الأعمال الذين يأتون لبحث صفقات مالية عند الغداء أو بعد انتهاء العمل- “إنْ لم يعودوا، فسنغرق”.

وأغلقت مجموعته ستة مطاعم وحانات في مانهاتن، بينها اثنان بشكل نهائي، ما يدل على التهديد الذي يخيم على هذه الأحياء التي كانت رمزا للحيوية الاقتصادية الأميركية ونموذجا لنيويورك، مثلها مثل سيارات الأجرة الصفراء أو مسارح برودواي التي ستظل مغلقة إلى نهاية مايو 2021 على أقل تقدير.

وأضاف ماكلور “الزبائن الذين كنا نراهم ثلاث أو أربع أو خمس مرات في الأسبوع اختفوا ببساطة” منذ مارس الماضي عندما واجهت نيويورك الموجة الأولى من الوباء. وتوفي أكثر من 26 ألف شخص بسبب الفايروس في العاصمة الاقتصادية الأميركية حتى الآن.

وبحسب “كاسل سيستمز” الشركة المتخصصة في أمن المكاتب، فإن 14 في المئة فقط من أكثر من مليون موظف نيويوركي، كانوا يعملون من مكاتبهم في منتصف يناير، ما يهدد مصير عدد كبير من مزودي الوجبات الخفيفة والمتاجر الصغيرة في ميدتاون أو وول ستريت.

لكن مع وصول اللقاحات ضد كوفيد – 19، باتت الشركات تبحث عن الطرق المناسبة لتشجيع موظفيها على العودة.

الموظفون في منازلهم
الموظفون في منازلهم

ورأى نحو 80 في المئة من الموظفين الذين استطلعت آراؤهم في دراسة نشرتها هذا الشهر شركة “برايس ووتر كوبرز” أن العمل عن بعد أمر جيد. لكن 87 في المئة اعتبروا أن المكتب مهم للعمل كفريق ولإقامة علاقات، وهما جانبان من العمل يكون فيهما التواصل عبر الفيديو أقل فاعلية.

تقول جيسيكا لابين خلال مقابلة من مكتبها في جمعية “التحالف من أجل وسط مدينة نيويورك” التي تترأسها إن “وجودي في المكتب والخروج من المنزل ورؤية الزملاء تجعلني في مزاج جيد طوال الأسبوع”.

لكن قليلون هم الموظفون الذين يريدون العودة إلى العمل من الاثنين إلى الجمعة، من الصباح إلى المساء، كما كانت الحال قبل الوباء.

يقول دنيز كاغلار الذي ساهم في إعداد دراسة “برايس ووتر كوبرز” إن “معظم الموظفين يقولون إنهم يفضلون نظاما هجينا، مع يومين أو ثلاثة أيام من العمل عن بعد ويومين أو ثلاثة في المكتب”.

ويعتبر المتخصصون في هذا القطاع أنه سيتعين على الشركات تغيير مفهوم أماكن العمل، وألا تكون بعد الآن مجرد أماكن للجلوس أمام شاشة الكمبيوتر أو إجراء اتصالات هاتفية كما كانت الحال في السابق، وإنما تصبح مشجعا على إقامة صداقات بين الزملاء ومحفزا على الإبداع.

وهذا يعني تحسين الديكور وإقامة قاعات اجتماعات أوسع وشرفات وأماكن في الخارج للتحادث ومكاتب يمكن التشارك فيها بحسب فترات العمل.

يقول ديفيد سميث معد دراسة حول مستقبل أماكن العمل لحساب شركة “كوشمان أند وايكفيلد” -إحدى الشركات العملاقة في مجال العقارات التجارية- “يجب أن يكون مكان العمل مثل مسرح، مع ديكور مختلف لمشاهد مختلفة”.

والمكاتب في المستقبل يمكن أن تشمل قاعات رياضة ومقاهي وأماكن لغسل الثياب أو خدمات أخرى تجعل من المجيء إلى المكتب “أمرا يستحق العناء”، وبالتالي المضي بوتيرة أسرع في التوجه الذي تم تحديده قبل الوباء.

التفكير في مستقبل جديد
التفكير في مستقبل جديد

ورغم أن موظفيها يعملون حاليا عن بعد بشكل رئيسي، استحوذت بعض الشركات الكبيرة منذ بداية الوباء على مساحات مكتبية شاسعة، ما يدفع إلى الاعتقاد بأنها لا تزال تراهن على هذه الطريقة في العمل بالرغم من حالة عدم اليقين حاليا التي يسببها الوباء.

في أغسطس وقّع موقع فيسبوك عقد إيجار مكاتب بمساحة 68 ألف متر مربع في ميدتاون، فيما أكدت شركة غوغل أنها تعتزم توسيع “مقرها” الواقع في حي تشلسي.

وتستعد شركة “غرينبرغ تراوريغ” -وهي مكتب محاماة يوظف 400 شخص في نيويورك- لنقل مكاتبها عام 2021 إلى برج مكاتب جديد في وسط ميدتاون، كما أعلن نائب رئيسها روبرت ايفانهو.

وسبق أن قامت الشركة بتجهيزات مثل تركيب حنفيات لا تتطلب اللمس، وتوفير موزعات للمواد المعقمة ومكاتب تراعي التباعد الاجتماعي ونظام يحسّن التهوية لموظفيها الذين يعملون حاليا بموجب نظام التناوب.

في مطلع يناير فتحت قاعة جديدة للركاب في محطة بن للقطارات التي كان يستقلها قبل الوباء الملايين من الأشخاص. وافتتحها حاكم نيويورك أندرو كومو بعد أشغال بلغت كلفتها 1.6 مليار دولار، في مؤشر على أن المسؤولين المحليين يأملون في إعادة إحياء وسط المدينة.

ويرى البعض في الفترة الحالية فرصة لإعادة التفكير في هذه الأحياء من أجل جعلها مراعية للبيئة، مع إضافة مساحات خضراء إلى الأحياء، فيما يُتوقع أن يصبح تناول الطعام في باحات المطاعم الخارجية -وهو ما كان نادرا جدا في نيويورك قبل الوباء- أمرا دائما.

وقال ألفرد سيرولو رئيس مجموعة “غراند سنترال بارتنرشيب” للأعمال في ميدتاون “إنها بوضوح فرصة للجميع تسمح لهم بالتفكير في مستقبل جديد”.

12

 

20