انتهاء لحظة "تعاطف عابر" مع اللاجئين في الإعلام الغربي

تصاعدت حدة الخطاب الإعلامي الغربي ضد قضية اللاجئين، وأصبحت وسائل الإعلام تتسابق في طرح المخاوف والتهديدات التي يمكن أن يشكلها المهاجرون الجدد للسلم الأوروبي، فيما أصبحت التغطية الموضوعية للقصص الحقيقية ممجوجة ولا تغري بالمتابعة.
الجمعة 2016/02/19
انتهاء شهر العسل مع اللاجئين

لندن – أحدث العدد الأخير من مجلة ويب البولندية صدمة للجمهور من خلال غلافه الذي يحمل تحريضا واضحا واتهاما مباشرا للاجئين بتقويض أمن وسلام القارة العجوز.

ووجد المراقبون أن هذا الخطاب أصبح اللغة السائدة في الإعلام الغربي وخاصة اليميني، وأن المجلة تعكس التيار الغالب على الإعلام الغربي الذي كرس اعتداءات رأس السنة في ألمانيا لتغذية المخاوف من الإسلاموفوبيا. وقالوا إن عهد تعاطف الإعلام الغربي مع اللاجئين قد ولى إلى غير رجعة.

وحمل عدد المجلة صورة تحريضية على غلافه بعنوان بارز، “الاغتصاب الإسلامي لأوروبا” المعزز في الداخل بموضوع، مع صورة لفتاة تغطي جسدها العاري بعلم الاتحاد الأوروبي، وهي تصرخ ليحميها من 3 رجال ذوي بشرة سمراء، انقضّوا لنزعه عنها عنوة بهدف اغتصابها.

وتشير الصورة إلى الهجمات الجنسية، التي أشارت بعض التقارير إلى أنها ارتكبت من قبل مهاجرين ولاجئين ضد نساء أوروبيات في ليلة رأس السنة. وشبّهت المجلة اللاجئين بالمغتصبين لأوروبا، وأنهم سوف يحولونها إلى جحيم، وأن القارة العجوز مقبلة على الانهيار بسبب صدام الحضارات مع الإسلام.

وتحت العنوان الرئيسي، ذكرت المجلة في تقريرها: ماذا يخبئ الإعلام والنخبة ببروكسل عن مواطني الاتحاد الأوروبي” في حين يتطرق الموضوع إلى أن وصول الملايين من ذوي الثقافة الإسلامية إلى أوروبا “سيصدمها ويقوّضها”، وفي المقال الرئيسي عن الموضوع، ذكرت الكاتبة ألكساندرا رايبنسك أن الأزمة مع المهاجرين هي نتيجة صدام لا مفر منه بين الحضارات، بين الإسلام والمسيحية.

وأضافت رايبنسك أنه في حين أن المسلمين يروّجون بقوة لهذه الحرب فإن الأوروبيين يخسرون كثيرا بتجاهلهم التأثيرات السلبية للتعددية الثقافية، ما قد يعجّل بسقوطهم.كما كتبت نقلا عن المؤرخ أرنولد توينبي “الحضارات تموت عن طريق الانتحار وليس عن طريق القتلة”.

فيما أوردت المجلة بعض المواضيع الأخرى في الشأن ذاته حملت عناوين “هل أوروبا تريد الانتحار” و”جحيم أوروبا”.

ثم تلقي المجلة معظم اللوم في ما يحدث على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، حسب تقرير نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية الخميس.

وأثار الغلاف جدلا كبيرا ومشهودا في مواقع التواصل، وقارن المتابعون الغلاف الجديد للمجلة بالدعاية الفاشية بألمانيا النازية، ودعاية موسوليني بإيطاليا، التي استخدمت صور نساء يتم الاعتداء عليهن من قبل يهود ورجال من جنوب أفريقيا.

وذكر المراقبون أن المخاوف من المهاجرين الجدد والإسلاموفوبيا تتصاعد وتطفو على سطح الإعلام الغربي بشكل كبير، إذ سبق للعديد من وسائل الإعلام وأن أطلقت حملات ضد اللاجئين، ووجه بعض الكتاب ألفاظا ومصطلحات قاسية ضد المهاجرين غير المرغوب فيهم، مثل مقال كاتي هوبكينز حول “قوارب النجاة: سوف أستخدم الحربية لوقف زحف المهاجرين” في جريدة ذا صن، ووصفت هوبكينز المهاجرين بالصراصير في مقالها الذي أثار ردود فعل مستنكرة واسعة.

المشكلة لا تكمن في آراء الكتاب المناوئين للمهاجرين بل في الإعلام الذي أتاح لهم الفرصة لنشر الكراهية

وصور البعض اللاجئين والمهاجرين كخطر على القيم المسيحية، بالإضافة إلى عناوين أخرى على صفحات الصحف الأوروبية المختلفة انتشرت على نطاق واسع، على غرار “الملايين من اللاجئين قادمون” و”صربيا ستتحول إلى مخيم لاجئين كبير”، بينما نشرت بعض الوسائل الإعلامية في البلقان قصصا شخصية تراجيدية، ولكن بشكل أساسي، تم استخدام اللاجئين العابرين لمقدونيا وصربيا إلى دول الاتحاد الأوروبي كوسيلة لإحياء الأساطير القومية القديمة وأسلوب دعاية أثناء الحروب في التسعينات.

ويقول المراقبون إن وسائل الإعلام والصحافيين أخفقوا في طرح التساؤل حول الخطاب الرسمي للساسة والقادة الدينيين الذين نشروا إدعاءات بأن اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط يشكلون تهديدا على القيم المسيحية، ولا يملكون الدافع لتعلم اللغة وتقبل الثقافة المحلية.

وأشاروا إلى أن الإعلام الأوروبي وبخاصة اليميني لا يريد أن يتعامل مع قضية المهاجرين كقضية إنسانية بل يريد أن يتم التعامل مع المهاجرين كخطر يهدد القارة الأوروبية وحدودها وسياستها الأمنية.

واعتبر محللون أن الأمر الذي يظل تحديا لصحافيي ومحرري العديد من وسائل الإعلام الغربية هو إدماج المهاجرين واللاجئين في تغطيتهم الصحفية اليومية مستندين إلى حقائق وقصص واقعية وليس إلى خطاب معاد للأجانب ونشر الكراهية من قبل بعض الشخصيات العامة، وأكدوا أن الشواهد تدل على أن معظم الإعلام الأوروبي قد فشل في مواكبة الأزمة بطريقة مهنية وأخلاقية.

وكانت وسائل إعلام ألمانية مناهضة لاستقبال اللاجئين، تبنّت الترويج لصورة نمطيّة عن اللاجئين العرب كمكبوتين جنسيّا، قبل اعتداءات كولونيا. لتأتي التغطية المصاحبة لجريمة ليلة رأس السنة، وكأنّها تثبّت تهمة مسبقة، كما فرض الإعلام الأوروبي خطابا يطالب جميع المسلمين بالاعتذار عن جرائم الإرهاب في مناسبات سابقة، ويحمّل جميع العرب واللاجئين مسؤولية الاعتداءات.

وأشار معهد التنوع الإعلامي في وقت سابق إلى أن المشكلة لا تكمن في آراء الكتاب المناوئين لقضية المهاجرين إنما في الإعلام الذي أتاح لهم الفرصة لنشر الكراهية.

ومع مراقبة ردود الفعل سواء على المقالات أو على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر خطاب الكراهية جلّيا، وترتفع الأصوات لصالحِ الجناح اليميني، وإن ترافق الأمر مع حملات مضادة، مثل حملة الترحيب باللاجئين التي انتشرت في كافة أنحاء أوروبا، وترافقت مع مظاهرات في عدد من المدن الكبرى، حتى أن بعض الصحف الكبرى مثل الإندبندنت تبنَّت الحملة، وخصَّصت لها جانبا من صفحاتها لنشرها والمشاركة بها.

ومع ذلك تبقى المواقف في دول الغرب الأوروبي، أقلَّ عدوانية من نظيرتها في دولِ أوروبا الشرقية، مثل هنغاريا والتشيك واليونان وغيرها.

18