انتهاكات حرب داعش تفتح على مرحلة جديدة من التوحش في العراق

الحرب على تنظيم داعش في العراق لم تكن نظيفة ولم تسلم من منزلقات يُخشى أن يمتد تأثيرها إلى مرحلة ما بعدها وأن يؤسس لظهور أشكال جديدة من التوحّش والتشدّد مثلما كان داعش قد ترعرع في مناخ الظلم والتهميش والطائفية.
الجمعة 2017/07/14
أثبت براءتك

بغداد - تكافح الحكومة العراقية لتفادي الحرج واحتواء الجدل الدائر بشأن اتهامات وجّهتها منظمة العفو الدولية للقوات العراقية والتحالف الدولي الداعم لها، بالتورط في اعتداءات على المدنيين خلال عمليات استعادة الموصل، فيما تتداعى الملفات والقضايا الحقوقية ذات الصلة بالحرب على داعش، وأكثرها إلحاحا في الوقت الراهن قضية التدقيق الأمني لفرز من انتموا إلى التنظيم المشدّد وتعاونوا معه، وملف العوائل التي يُتهم أبناؤها بالانتماء إلى التنظيم وما يحفّ بالملف من محاذير الانزلاق في العقاب الجماعي.

وعلى مدار الحرب على داعش، ومع استعادة كلّ منطقة من يد مقاتليه، ظلّت معسكرات الاحتجاز تستقبل الآلاف من الأشخاص الذين عليهم الخضوع إلى التدقيق الأمني للتثبت من عدم وجود صلة بينهم وبين التنظيم، أو الذين يتهم أقارب لهم بالانتماء إليه.

وتقول مصادر عراقية رفيعة المستوى لـ”العرب”، إن “إجراءات التدقيق الأمني المتبعة مع النازحين من الموصل، تكاد تكون بدائية” لافتقارها للوسائل المادية والكفاءات البشرية ما ينطوي على خطورة مزدوجة تتمثّل إمّا في ظلم أبرياء وإدانتهم بجريمة لم يقترفوها، وإما فتح الباب أمام عناصر من داعش للتسرب إلى مدن ومناطق عراقية أخرى ليكوّنوا نواة لتهديد الأمن فيها.

وتضيف المصادر القريبة من دوائر استخبارية وأمنية في بغداد، أن “قاعدة البيانات الرسمية التي تعتمد عليها السلطات العراقية في التدقيق والمطابقة، تقول إن عدد المطلوبين في محافظة الأنبار، التي استعيدت كبرى مدنها منذ مدة طويلة، مازال أعلى من عدد المطلوبين في الموصل”، ما يمكن اعتباره دليلا على خلل في بيانات المحافظتين.

وتشرح ذات المصادر أنّ “السلطات العراقية المختصة لم تتمكن من جمع معلومات كافية عن عناصر داعش في الموصل، برغم مرور ثلاث سنوات على وجودهم هناك، ما تسبب في الحد من فاعلية إجراءات التدقيق الأمني في الكشف عن المطلوبين الحقيقيين”.

وتشير المصادر إلى أن “فرقا عسكرية عراقية نفذت إعدامات ميدانية، مؤخرا، بحق أشخاص يشتبه في صلتهم بداعش، بعدما ألقت عليهم القبض في الموصل”.

وقال ضابط في جهاز استخبارات وزارة الدخلية العراقية لـ”العرب” طالبا عدم التصريح بهويته لحساسية الموضوع، إن “اللوم يقع على قاعدة البيانات الفقيرة، والضغط الهائل الذي تتحمله معسكرات الاحتجاز التي تتعامل مع عشرات الآلاف من الأشخاص الذين يجب التدقيق في بياناتهم، لذلك فإن الأخطاء واردة”.

وتقول إحصاءات لمراكز متخصصة في قضايا الإرهاب، إن تنظيم داعش نفذ نحو ألف هجوم في مناطق سبق له أن خسرها في العراق.

وشهد الساحل الأيسر من الموصل، نحو 10 عمليات انتحارية، منذ استعادته من القوات الحكومية أواخر يناير الماضي، نفذها عناصر في تنظيم داعش تسربوا مع النازحين، وفقا لأجهزة أمن عراقية.

وتنفي قيادة العمليات المشتركة، وهي أعلى سلطة عسكرية تشرف على معركة الموصل، تورط القوات العراقية والتحالف الدولي، في ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين.

وأثير الجدل في هذا الشأن بعد ظهور سلسلة تسجيلات مصورة توثق عمليات إعدام طالت أشخاصا في الموصل، على أيدي عناصر من القوات العراقية، خلال الأيام القليلة الماضية، من دون معرفة ما إذا كانوا ينتمون فعلا إلى تنظيم داعش.

وأظهرت تسجيلات مصورة من الموصل، أفرادا في القوات العراقية يلقون بثلاثة أشخاص من فوق تلة عالية، ثم يطلقون عليهم النار بكثافة.

وقال معلقون في هذه التسجيلات، إن هؤلاء الأشخاص ألقي القبض عليهم بعد اشتباك مسلح في المدينة القديمة بالموصل.

وتقول منظمة العفو الدولية، إن القوات العراقية والتحالف الدولي، لم يكيّفا عملياتهما العسكرية، لتتماشى مع الطابع السكاني للموصل، ما تسبب في انتهاكات، يصل بعضها إلى جرائم حرب.

عجز حكومي عن منع عمليات الانتقام والعقاب الجماعي لعوائل يشتبه في انتماء أحد أفرادها إلى تنظيم داعش

واتهمت المنظمة في تقرير لها بشأن الموصل، “القوات العراقية والدولية بارتكاب انتهاكات متكررة للقانون الإنساني الدولي بعضها قد يُعَدُّ بمثابة جرائم حرب”، مشيرة إلى أن “القوات الحكومية اعتمدت بصورة مكثفة على استخدام الأسلحة المتفجرة”.

وحمّلت المنظمة، القوات العراقية والدولية “مسؤولية تنفيذ 45 هجوما في غرب الموصل أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 426 مدنيا وإصابة أكثر من 100 آخرين بجروح”.

لكن المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة، الجنرال يحيى رسول، يرد بأن “القوات العراقية المشتركة حافظت على أرواح المدنيين في الموصل، واستخدمت قطاعات الجيش العراقي الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وحيدت السلاح الثقيل”، مشيرا إلى أن “انتصار الجيش العراقي يغيظ الكثير وأن النصر كان إنسانيا قبل أن يكون عسكريا”.

وتشمل التحديات التي تواجهها الحكومة العراقية بعد استعادة الموصل، أيضا، مسؤوليتها عن تحديد مصير العديد من العوائل التي يتهم أبناؤها بالانتماء إلى داعش، ومنع الانزلاق إلى العقاب الجماعي الذي يعد في نظر القانون الدولي جريمة.

وشهدت مناطق جنوب الموصل، أواخر العام الماضي، عمليات ثأرية، قام بها مدنيون، ضد عوائل يتهم أبناؤها بالانتماء إلى التنظيم.

ويعود ملف هذه العوائل إلى الواجهة كلما وقعت عملية انتحارية في منطقة عراقية مستعادة. وتُتهم هذه العوائل بإيواء الانتحاريين، أو تسهيل حركتهم.

ولا تستطيع القوات العراقية أن تفعل شيئا في هذا الملف، سوى احتجاز هذه العوائل في معسكرات، لكنها تجبر على الإفراج عنهم لاحقا، وعندما يعودون إلى مناطق سكنهم القديمة، يتعرضون لعمليات انتقام من مدنيين فقدوا أقاربهم على أيدي عناصر في داعش.

وتقول مصادر عراقية إن بعض المسؤولين الأمنيين يتغاضون عن عمليات الانتقام التي تتعرض لها تلك العوائل.

وسجلت أولى حالات الانتقام في مناطق شمال الرمادي مركز محافظة الأنبار عام 2015. ومطلع الصيف الجاري، سجلت في مدينة هيت، غرب الأنبار، حالات إعدام نفذها مجهولون، بحق عوائل كاملة، يتهم أبناؤها بالانتماء إلى داعش.

ونفذت معظم عمليات الانتقام بعد تعرض تجمعات سكانية في هيت إلى عمليات انتحارية، اتهم بتنفيذها شبان ينتمون إلى عوائل عادت من مراكز احتجاز.

وحاولت الأجهزة الأمنية في الأنبار توفير الحماية لهذه العوائل، لكنها فشلت، ما اضطرها إلى إعادتهم لمراكز الاحتجاز، لكنه يبقى إجراء مؤقتا.

وفشلت الإجراءات الحكومية سابقا في حل هذا الملف بمحافظة صلاح الدين، حيث مازالت مئات العوائل ممنوعة من العودة إلى منازلها، ولا سيما في قضاء يثرب.

وتدرس السلطات العراقية فكرة إقامة معسكرات معزولة في مناطق صحراوية لإيواء هذه العوائل، ما سيكون دون شكّ عقابا جماعيا يشمل حتى الأطفال.

3