انتهاكات خطرة تضفي صورة الحرب القذرة على معركة الموصل

مختلف الجهات المنخرطة في حرب داعش بالعراق متورّطة في انتهاكات خطرة لحقوق الإنسان، لكنّ تورّط القوات الحكومية يظل أكثر خطرا وأشد وقعا كونها الجهة المؤتمنة، نظريا، على حفظ الأمن واستعادة الاستقرار وحماية أرواح العراقيين وممتلكاتهم دون تمييز بين طوائفهم وأعراقهم.
الأربعاء 2017/06/07
نصر مشوه

الموصل (العراق) – أسقط تواتر الأنباء والشهادات بشأن الانتهاكات الخطرة التي تمارسها القوات العراقية المشاركة في معركة استعادة مدينة الموصل وباقي مناطق محافظة نينوى من تنظيم داعش، صورة الحرب النظيفة التي روجّت لها دوائر رسمية عراقية، واستبدلها بصورة الحرب القذرة التي ارتسمت معالمها بوضوح عبر عمليات التوقيف العشوائي لأناس مشتبه بانتمائهم لتنظيم داعش، وإرغامهم تحت طائلة التعذيب على الاعتراف بالتهمة وإعدامهم ميدانيا في حال رفضوا ذلك.

ورافقت انتهاكات حقوق الإنسان، وعمليات الانتقام الطائفي والعرقي، المعركة ضدّ تنظيم داعش منذ انطلاقتها في العراق سنة 2014 وتراوحت بين الإعدام الميداني ونهب الممتلكات أو حرقها وإتلافها بما في ذلك الدور السكنية والمتاجر والمزارع وغيرها، والاعتقال خارج نطاق القانون من قبل ميليشيات وفصائل مسلّحة لا تمتلك صلاحية توقيف الأشخاص والتحقيق معهم.

ولا تزال المئات من العائلات العراقية تبحث عن أبنائها مجهولي المصير والمخفيين قسريا، والذين تم اعتقالهم في جرف الصخر بمحافظة بابل أو في مدينة الفلّوجة بمحافظة الأنبار، دون طائل.

وبعد مرور عام على معركة الفلّوجة، نظم المئات من أهالي المختطفين في مركز ناحية الصقلاوية التابعة لقضاء الفلوجة وقفة احتجاجية لمطالبة الحكومة بالكشف عن مصير 750 رجلا من ذويهم يقولون إن فصائل من الحشد الشعبي احتجزوهم واقتادوهم لجهة مجهولة.

وكانت تقارير حقوقية اتهمت كتائب حزب الله العراق بالوقوف وراء اختطاف الرجال السنّة من الصقلاوية. ونقلت ذات التقارير عن شهود عيان تأكيدهم تعرض المحتجزين إلى التعذيب الشديد المفضي إلى الموت.

وتشارك في انتهاكات حقوق الإنسان بالعراق جلّ الفصائل المقاتلة من ميليشيات شيعية منضوية ضمن الحشد الشعبي، ومن بيشمركة كردية، ومن قوات عراقية نظامية، وهي بالذات التي تنسب إليها الانتهاكات في مدينة الموصل كونها هي التي تتولّى المعركة بشكل رئيسي هناك، فيما تتولى البيشمركة والميليشات قتال داعش ومسك الأرض المستعادة منه، في مناطق أبعد بشمال الموصل وغربها.

واضطرت ميليشيا “كتائب الإمام علي” الشيعية المقاتلة ضمن الحشد الشعبي مؤخرا إلى التبرّؤ من أحد أشهر عناصرها أيوب فالح حسن الربيعي، المشهور بأبي عزرائيل بعد ظهوره في شريط فيديو بصدد إحراق أحد الأشخاص المتهمين بالانتماء لتنظيم داعش حيّا. وقالت الكتائب في بيان إن”هكذا أفعال لا تمثل إلا صاحبها” متوعّدة بمعاقبته.

ولم تسلم قوات إقليم كردستان العراق من بيشمركة (جيش الإقليم) وأسايش (شرطة الإقليم) من التورّط في انتهاكات حقوق الإنسان أثناء مشاركتها في حرب داعش.

وفي إطار تنازع السيطرة على المناطق العراقية وتصفية الحسابات القومية والعرقية قامت القوات الكردية بين سبتمبر 2014 ومايو 2016 بتدمير 21 بلدة وقرية داخل مناطق متنازع عليها بمحافظتي كركوك ونينوى وطرد سكانها العرب ومنعهم من العودة إليها.

ومنذ أيام وجّه تقرير حقوقي دولي اتهاما صريحا للقوات الكردية باحتجاز فارين من الموصل للاشتباه بانتمائهم لداعش.

وجاء في التقرير أن حالات احتجاز جديدة ظهرت في إقليم كردستان نفذتها السلطات ضدّ رجال وصبية هاربين من الموصل للاشتباه بانتمائهم لتنظيم داعش، وقد أفاد أفراد الأسر أنهم، وبعد أن اعتقلت السلطات أقاربهم، لم يتمكنوا من التواصل مع المحتجزين لمدة أربعة أشهر، وأن السلطات لم تخبرهم عن أماكن وجود أقاربهم.

وأورد ذات التقرير قول بريانكا موتابارثي الباحثة في حالات الطوارئ إن “المخاطر الأمنية التي تواجهها حكومة إقليم كردستان العراق من داعش كبيرة، ولكن عزل رجال وصبية عن عائلاتهم لا يفعل شيئا لتعزيز الأمن. وعلى حكومة الإقليم، على الأقل، إبلاغ الأسر عن أماكن احتجاز أقاربهم والسماح بالتواصل معهم”.

ويبقى تورّط القوات الحكومية العراقية في أعمال نهب الممتلكات وتعذيب المعتقلين وقتلهم، أشدّ وقعا وأكثر خطرا على مستقبل البلد، كونه يقيم الدليل على عدم احترافية الجهة الموكول إليها حفظ الأمن والاستقرار وحماية الأرواح والممتلكات، ويعطي المؤشّر على أن الاعتبارات الطائفية والعرقية تسرّبت لتلك القوات وجلعت أفرادها ينساقون إلى ممارسة الانتقام.

وفضح المصور الصحافي علي أركادي العامل لمجلّة دير شبيغل الألمانية ممارسات القوات العراقية في الموصل بنشره صورا لعمليات تعذيب وحشية نفذها عناصر من الجيش العراقي بحق مشتبه بانتمائهم لتنظيم داعش.

وكان المصوّر قد رافق فرقة الرد السريع أثناء قتالها داخل أحياء الجزء الغربي من المدينة، بغرض أولي تمثّل في ما يبدو بالدعاية للقوات العراقية، لكنّه انتهى إلى إنجاز تقرير عن عمليات استجواب لمشتبه بهم تنتزع فيها الاعترافات منهم عبر التعذيب.

وبدورها نقلت قناة روسيا اليوم التلفزيونية عن مراسلها بالموصل مراد غادزييف شهادته بشأن مصادرة القوات العراقية لقطات غير مرغوب فيها من الصحافيين، في محاولة للتستر على ممارسات منافية لحقوق الإنسان.

3