انتهاكات مدرسة للمتشددين تثير صدمة في تونس

حركة النهضة الإسلامية تلتزم الصمت، وسط حالة من الارتباك عمق التساؤلات بشأن علاقتها بمثل هذه المدارس والجمعيات القرآنية.
الأربعاء 2019/02/06
غرس قيم التطرف

تونس - أعربت الحكومة التونسية برئاسة يوسف الشاهد، عن “صدمتها” بعد الكشف عن التجاوزات الكثيرة التي تعلقت بـ“المدرسة القرآنية” في مدينة الرقاب من محافظة سيدي بوزيد، التي تحولت إلى قضية رأي عام، بسبب انعكاسات الصورة المُرافقة لها، التي استدعت استحضار مدارس طالبان الأفغانية.

لكن التعبير عن هذه “الصدمة” الذي جاء على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة، إياد الدهماني، لم يُخف قلق غالبية القوى السياسية وهواجسها التي فتحت الباب على الكثير من الملفات المسكوت عنها، وخاصة منها تلك التي تُضيف إلى الغموض المُحيط بمثل تلك المدارس، مساحات إضافية من التساؤلات الحارقة التي أيقظت جملة من السيناريوهات الخطيرة.

ووصف الدهماني في تصريحات إذاعية بُثت الثلاثاء، ما تم الكشف عنه في “المدرسة القرآنية” بمدينة الرقاب، بأنه “صدمة”، وأكد أن “سياسة الحكومة واضحة، وهي تطبيق القانون على كل الفضاءات التي تستقبل الأطفال في إطار غير قانوني”، لافتا إلى أن الحكومة الحالية “رفعت 159 قضية ضد جمعيات غير قانونية، من ضمنها مدرسة الرقاب”، المثيرة للجدل.

سميرة مرعي: المدرسة مركز تدريب يُشكل خطرا على الأمن القومي
سميرة مرعي: المدرسة مركز تدريب يُشكل خطرا على الأمن القومي

وقبل ذلك، أعلنت رئاسة الحكومة التونسية في بيان مُقتضب، أن الشاهد “قرر إعفاء مُحافظ سيدي بوزيد ومُعتمد مدينة الرقاب من مهامهما، وذلك في قرار مُفاجئ في توقيته وطريقة إبلاغه، حيث خلا من تحديد الأسباب والدوافع، ليجعل المسألة تتخذ سياقا جديدا سلط الضوء على سلم أولويات الحكومة، والخطوات القادمة في علاقة بمثل هذه القضايا الغامضة.

وكان لافتا أن قرار الإعفاء جاء بعد ساعات من تصريحات لمُحافظ سيدي بوزيد، أنيس ضيف الله، أكد فيها أن قرارا بغلق الجمعية القرآنية التي تُدير المدرسة المذكورة صدر في 2015، لكن المحكمة الإدارية ألغت القرار لعدم اختصاص المُحافظ، ما يعني أن حكومة الشاهد كانت على علم بهذه المدرسة.

ويعكس سيل ردود الفعل التي تتالت تباعا بعد هذا القرار الذي لم يُفكك الخبايا المُحيطة بتلك المدرسة، التي اتضح أن عددا مثيلا لها لا يزال ينشط في تونس على مرأى ومسمع السلطات الرسمية، حجم القلق في وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات تشريعية ورئاسية قبل نهاية العام الجاري.

وفي هذا السياق، دعت الوزيرة السابقة سميرة مرعي، رئيس الحكومة إلى “الكشف عن كل الفضاءات العشوائية وإغلاقها”، ومطالبة البرلمان بالمصادقة العاجلة على قانون رياض الأطفال، الذي “سيمكن من حماية الناشئة”.

وحذرت في تدوينة نشرتها في صفحتها الرسمية على فيسبوك من “جرائم الجمعيات التي تستغل بغطاء ديني ثقة الأولياء لتكوين ناشئة داعشية لغرس التطرف، ولجعل المجتمع حاضنة للإرهاب”.

ولم تتردد في وصف “المدرسة القرآنية” بمدينة الرقاب بأنها “مركز تدريب، يُشكل خطرا على الأمن القومي، وجريمة في حق الطفولة”، ثم تساءلت “كم من داعشي تم تجنيده منذ 2011؟ ومن يتحمل مسؤولية ما حدث؟”.

واستنكر حزب التكتل من أجل العمل والحريات، في بيان وزعه الثلاثاء، ما وصفه بـ”فضيحة الدولة”، وذلك في إشارة إلى “المدرسة القرآنية” بمدينة الرقاب، باعتبار أنه “تم الإشعار سابقا بما يحدث بالمدرسة المذكورة، كما تبيّن صدور قرار بغلقها سنة 2015، ولم يتم تنفيذه”.

وفيما نبه حزب التكتل في بيانه من “احتمال كبير لوجود حالات مماثلة”، لفت حمّة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الائتلاف الحزبي اليساري “الجبهة الشعبية، إلى ما وصفه بـ”غياب الدولة في مسألة خطيرة، وإلى تواطؤ بعض الجهات في هذا الملف”.

وتساءل في تصريحات إذاعية “كيف تكونت حركة طالبان وبوكو حرام؟ يتوجهون إلى الأطفال ويقومون بتجييشهم ليخلقوا منهم الإرهاب”، ثم ربط ما حصل بحركة النهضة الإسلامية، قائلا إن “تصريحات قادتها خلال السبعينات تتضمن تأكيدا بأنهم سينطلقون من الأطفال”، لافتا إلى أن راشد الغنوشي وعبدالفتاح مورو، وغيرهم من قادة النهضة، انطلقوا من “جمعية المحافظة على القرآن”.

Thumbnail

وكان لافتا أن حركة النهضة الإسلامية لم تصدر بيانا رسميا بخصوص هذه القضية، فيما تضاربت تصريحات عدد من قادتها، وسط حالة من الارتباك الواضح الذي عمق التساؤلات بشأن علاقة الحركة بمثل هذه المدارس والجمعيات القرآنية، التي يُنظر إليها على أنها واحدة من أبرز الأدوات القادرة على تحريك وتفعيل خزانها الانتخابي.

وبدا هذا التضارب واضحا إلى حدّ التناقض في تصريحات القياديين في حركة النهضة، عبدالحميد الجلاصي ونورالدين البحيري، حيث اعتبر الجلاصي أن “مدرسة الرقاب أثارت قضايا مختلفة، من بينها سياقها العام، أي أن يُثار في نفس الأسبوع ملف يتعلق بالبنك المركزي ودائرة المحاسبات وآخر يتعلق بمدرسة قرآنية تعمل منذ سنوات”.

وتساءل في تصريحات سابقة ما إذا كان الأمر “مجرد صدفة، أم توجد يد تُحرك صنفا معينا من الملفات في علاقة بالاستحقاقات الانتخابية القادمة مثلا؟”، مُحذرا في المقابل مما وصفه بـ”الخليط المُتفجر”، قائلا إنه “حين تختلط في نفس الوقت، الطفولة مع القرآن مع الحريات، نجد أنفسنا أمام خليط متفجر”.

وعلى عكس تلك التساؤلات، ذهب نورالدين البحيري، الذي يرأس الكتلة النيابية لحركة النهضة، إلى القول في تصريحات إذاعية بُثت الثلاثاء، إن “مسألة مدرسة الرقاب تمس من الأمن القومي”، الأمر الذي أبقى على مساحة كبيرة من الغموض حول الموقف الحقيقي لحركة النهضة من هذه القضية الخطيرة.

1