انتهاك الأسرار أنجب عالما هشا وهزيلا

السردية الرقمية غيّرت العالم من خلال القضاء على ثنائية المكشوف والمخفي ورسم معالم العالم الجديد المستند إلى الشفافية.
الأحد 2021/02/21
ويكيليكس قضى على نرجسية الوثيقة

يحضر التفاعل السردي (narrative interactions) في صلب ممارسة الحياة، في داخله يتنازع المزيد من العمليات المعقدة والمركبة، حيث يحاول مرة اللجوء إلى التخفي والسرية والكتمان، بما يضمن له حماية المصالح والأهداف. وفي محاولة أخرى يتوجه نحو الكشف والعلن والصراحة، من أجل إشباع الفضول. هذا التفاعل السردي يحرك فيه الفعل والمضمون والموضوع.

مثلت سردية ويكيليكس صدمة عنيفة على مستوى العالم، حيث استطاعت أن تغيّر المعنى والعلاقات، ولاسيما حين استطاعت القضاء على نرجسية الوثيقة، والعمل على إسقاط المكانة التي كانت تتمتع بها. إنه التسلل في صميم الخصوصية حتى غدا المهم في أشدّ أحوال البساطة.

إنها أحوال السردية الرقمية التي عملت على تغيير العالم من خلال القضاء على ثنائية المكشوف والمخفي، والسعي حثيثا نحو رسم معالم العالم الجديد المستند إلى الشفافية.

لم يعد العالم يعيش على توزيعات الحقب والمراحل التاريخية التقليدية، بل إن التطلع نحو فهم العالم صار يتم من خلال التركيز على دراسة الوضعيات. إنه السرد الرقمي وأحوال السيطرة والتوجيه والتفاعلات السردية التي تعمل على إنتاج المعنى الذي ينتجه العصر الذي نعيش فيه.

 السرد الذي يقوم على أهمية تمييز التفاعلات المجازية في الخطاب الرقمي، والعمل على رصد الدلالات التي يزخر بها الحدث الذي تم فيه عمل الفضح، والكشف للمجمل من العمليات التي نالت الحظوة والقيمة والمكانة التقليدية، حتى جاء ويكيليكس ليجعلها في أشد حالات الوهن والضعف والإحراج. هنا لا يمكن ترصده عبر مسار واحد، بقدر ما يقوم على المسارات المتعددة، فهم يتعلق بالمزيد من كمية الدلالات والمعاني.

تفاعل لا يلبث أن يظهر على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والأمني طبعا، ويعمل بكل وضوح على اختراق المنظومة الراسخة من الوقار، والسمعة القديمة للمؤسسات العريقة، من خلال الكشف عن الأساليب التي تعمد إليها وتمارسها في الخفاء.

إنها باختصار سرد فضائحي لمجمل الأسرار التي بقي الفضول الإنساني يسعى جاهدا إلى التعرف عليها، فيما جاءت لحظة ويكيليكس ليجري فيها رفع النقاب عن الخفاء.

 وهكذا يكون التفاعل السردي بمثابة الوسيلة التي يتم من خلالها الوقوف على جعل الواقع مختلفا، وكيف تكون التفاصيل تحمل ملامح أخرى، ولاسيما بعد أن تجري إزاحة السردية الكبرى عن السطوة والحضور المركزي. إنها الفسحة التي يتم فيها منحها إلى العقل من أجل جذب الأنفاس، ومن ثم القدرة على التحديد والتمييز.

رسم عالم جديد (صورة لبسام الإمام)
رسم عالم جديد (صورة لبسام الإمام)

 الصدمة العنيفة التي تعرض لها الناس، وهم يتعرضون لهذا الكم من الوثائق التي تكشف عن الأسرار، والتفاصيل المتعلقة بطريقة التعاطي مع الأحداث، عمل على قلب المعادلة السردية، وطريق التلقي لدى عامة الناس، الذين باتوا يعيشون أحوال التناقض والتداعي والشك حول جدوى العالم. بل راح الإنسان يفكر في طريقة التعاطي مع التجارب الشخصية، وكيف يمكن له الوثوق بهذا العالم الذي تحركه الأسرار.

إن الأمر هنا لا يتعلق بطريقة التلقي المباشر، لكن التفاعل السردي يكشف عن مستوى الانفعال الإنساني وتأثيره على السرد بصورة عامة، حيث التفكير في المهم والأقل أهمية، وكيف يمكن طرح الأسئلة حول هذا العالم الذي غدا هشا وضعيفا وهزيلا، بعد أن تمّ هتك الأسرار.

 إنها الفضيحة التي تلاحق كل شيء، وأيّ شيء في ظل سطوة وسيطرة السبرانية التي لا حدود لقوتها وسيطرتها، ولاسيما حين يدخل الإنسان في عقد المقارنة المباشرة بين قوة المؤسسة الرسمية التي تمتاز بالقوة والسلطة والسيطرة، وبين قدرات الإنسان المحدودة للحفاظ على أسراره الشخصية. وكيف يتمّ انتهاك كل هذه القوة على يد موقع إلكتروني لا يعرفه أحد، آمن بفكرة الشفافية، وعمل على التعاطي مع العالم وفق الرؤية التي يراها ويعتقد بها. إنه السرد المختلف الذي يتعامل مع العالم بناءً على أنواع مختلفة من التفاعل السردي.

إنها أحوال التداعي لطريقة التفكير بمستوى العلاقات حول سرد الذات وسرد الآخر وسرد العالم، وإمعان التفكير بالطريقة التي يتم فيها التعاطي مع هذا العالم الذي ما انفك يعيش أحوال التحوّل. إنه الحضور للمجمل من التفاعلات الاجتماعية، ومدى تأثيرها في طريقة التفاعل السردي حيث المعطيات التي تجسدها طريقة الفعل الصادر عن المبادرة البشرية الفردية، بعد أن كان الفعل محصورا في التأثير الكبير والهائل الذي تقوم به المؤسسة.

أثبتت هذه الأحوال أن العالم لا يمكن أن يتمّ النظر إليه بناء على السائد من الأفكار، بقدر ما يقوم على التفاعل السردي، الذي يمكن أن يحمل المزيد من أحوال إعادة إنتاج المعاني.

  • ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الثقافية اللندنية
10