انتهت الانتخابات ولم تنته الحرب على الأنبار

الثلاثاء 2014/05/13

انتهت الانتخابات، ولم تنته العملية العسكرية في محافظة الأنبار، بل تابعت الحكومة عملياتها بزخم أكبر من أي وقت مضى؛ حيث وصلت ذروتها العنفية مع العملية الأخيرة والمستمرة على مدينة الفلوجة تحت عنوان “تصفية الحساب”، والتي يستخدم فيها جيش المالكي سلاح الجو بشكل مكثف وقصفا بالبراميل المتفجرة للمرة الأولى، من أجل إخضاع المدينة واقتحامها؛ وتظهر الأخبار الواردة من الأنبار، حدوث معارك طاحنة ومستمرة على أطراف المدينة، يفشل فيها الجيش من تحقيق أي تقدم يذكر.

يأتي هذا التصعيد من قبل الحكومة بعد انتهاء الانتخابات، مخالفا للكثير من التوقعات، وخاصة أن الإعلام المحلي كان قد تحدث عن تسريبات تظهر ميلا حكوميا للتهدئة، وعن مفاوضات تجري في عمان بين ممثلين عن الحكومة، وبعض الوجوه العشائرية، من أجل تنفيذ مطالب الثوار، سرعان ما تبين أنها كلام هوائي كذبته الوقائع من جهة، وعدة بيانات صدرت عن ثوار العشائر من جهة ثانية نفوا فيها تقديم الحكومة لأية مبادرات تفاوضية، مما يعكس أن الصراع في الأنبار حسب ذهنية الحكومة لا يتعلق بحسابات داخلية محلية فقط، ولو كان نوري المالكي قد وظف المسألة في تحشيده الانتخابي، ونجاحه في ذلك إلى حد ما، فهذه هي القناعة السائدة لدى العشائر العراقية الثائرة أيضا، والتي بلورتها الوقائع المرافقة لمسيرة الاحتجاجات المطلبية التي انطلقت في نوفمبر 2012.

الاحتجاجات تلك حملت مطالب داخلية بحتة، تتعلق بتحسين الوضع الاقتصادي والخدمي المتردي في عموم العراق، فضلا عن الإفراج عن المعتقلين السياسيين، بالإضافة إلى مطالب سياسية تهدف إلى تعديل الدستور وإنهاء المحاصصة الطائفية. فوضت العشائر المنتفضة بعض الأطراف الشريكة في العملية السياسية كوسطاء للتفاوض مع الحكومة من أجل تنفيذ المطالب لكنها كانت تجابه بالرفض، والاتهام برعاية الإرهاب وقطع الطرقات وتعطيل الحياة العامة.

أكملت حكومة المالكي ذلك بشن عملية عسكرية واسعة ضد ساحات الاعتصام راح ضحيتها المئات بين قتيل وجريح، ومن هنا اتخذ الخطاب الثوري شكلا جديدا، أظهر للعلن أن الثوار يواجهون ما هو أبعد من مجرد حكومة تستلب حقوقهم داخليا، وأن محددات الصراع بالنسبة إلى الطرف الحكومي ليست محددات داخلية ولا يمتلك قرارها أطراف العملية السياسية ولا حتى نوري المالكي نفسه، مما دفعهم باتجاه خطاب ثوري يضع المطالب الداخلية ضمن إطار تعبوي وطني عام يواجه ما أسموه مشروعا خارجيا إيرانيا يستهدف العراق عموما، والأنبار على وجه الخصوص.

ومن هنا نتساءل لماذا الأنبار على وجه الخصوص؟ هنا لابد أن ننظر إلى موقع الأنبار على الخارطة الجغرافية، وما يمثله الموقع من أهمية استراتيجية للمشروع الإيراني المعلن، حيث لم يعد يخفى على أحد، أن هناك مشروعا استراتيجيا إيرانيا للهيمنة على المنطقة العربية، ابتداء من العراق مرورا بسوريا حتى سواحل لبنان المتوسطية، وهذا ما أعلنه مؤخرا وبكل صراحة أكثر من مسؤول إيراني رفيع، ابتداء من رحيم صفوي مستشار المرشد علي خامنئي الذي صرح أن حدود إيران الاستراتيجية تقف عند سواحل لبنان، ليكمل حسن همداني القيادي البارز في الحرس الثوري قبل أيام، بالقول إن إيران هي من تقود العمليات في سوريا، وأن نظام الأسد يقاتل بالنيابة عنها، وربطها من حيث الأهمية بالعمليات العسكرية الإيرانية في العراق.

العراق وسوريا من وجهة النظر الاستراتيجية الإيرانية يشكلان وحدة جغرافية وإستراتيجية متكاملة، وموقع الأنبار الحدودي مع سوريا وإشرافها على خطوط النقل البري وأهم المعابر الحدودية، يحتم على الإيرانيين إحكام سيطرتهم التامة على المحافظة، وإخماد أي احتجاج يمكن أن يعيق حركة نقل المقاتلين والعتاد الإيراني للنظام السوري عبرها.

هنا يظهر نوري المالكي وحكومته كأداة تقاتل بالنيابة عن إيران على الساحة العراقية، لتحقيق الهيمنة الإستراتيجية على أهم مواقع التماس بين العراق وسوريا، وليست حكومة تنظر إلى مطالب شعبها وقادرة على تلبيتها. الصراع يبدو من أجل التحرر الوطني بالنسبة إلى ثوار العشائر العراقية، وفرضا للهيمنة الاستراتيجية بالنسبة إلى إيران عبر أدوات عراقية عميلة حسب الثوار، هذا ما يعيد للأنبار اعتبارها كعاصمة لثورة تحرر وطني من جديد في أذهان العراقيين الثائرين.

فهي تمتلك عدة مقومات يمكن أن تجعلها ميدانا لمواجهات شرسة وصعبة الحسم، ليس أقلها الطبيعة الديمغرافية حيث الروابط العشائرية الأكثر حساسية تجاه الهيمنة الأجنبية، والطبيعة الجغرافية أيضا، فهي تمثل ثلث العراق من حيث المساحة، وفيها مساحات كبيرة بعيدة عن المدن والمراكز العسكرية، تجعل منها أماكن تجمع آمنة للثوار من كافة المحافظات العراقية، هذا ما يجعل مهمة القوات الحكومية في احتلالها وإخضاعها أمرا أشبه بالمستحيل، وهذا ما أشارت إليه مؤخرا صحيفة واشنطن بوست، حين تحدثت عن مواجهة جيش المالكي للموت والفرار من ساحات المعارك. المؤشرات العامة والتفصيلية بهذه القضية تقول أن لا حل داخليا بالأفق، والاستعصاء العسكري سيبدو أشد، خصوصا مع دعوات رجال الدين السنة مؤخرا للنفير العام بكافة المحافظات الست الثائرة، هذا ما سيجعل الموقف العسكري في البلاد بحالة من التوسع والتفجر المستمر حتى بلوغ الحل الإقليمي الشامل.


كاتب عراقي

9