انتهت المهلة

السبت 2018/01/27

كيفما كانت طبيعة حياة المرأة في المنزل، أو حجم مسؤولياتها، دورها في الأسرة أو مكانتها في العمل، فإنها تقضي معظم ساعات اليوم في العمل الشاق؛ إنجاز مهامها الوظيفية، تنظيف المنزل، طهي الطعام، العناية بالأطفال ومتابعة دروسهم إضافة إلى تتبع اتجاهات شبكة العلاقات الاجتماعية، ثقيلة الظل، التي تسير بالتوازي إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية، ولا يمكن بالطبع تجنب المرور إلى جوارها.

بعد انتهاء ساعات العمل الطويلة هذه، تأتي لحظة الخلاص؛ اللحظة التي تنتهي فيها كل الواجبات ويحين وقت مكافأة النفس، اللحظات التي يعدها البعض أصعب ما في اليوم.

حقيقة، يفشل معظم الناس، مهما كانت مهارتهم في التعامل من المشاكل والإخفاقات، في مواجهة هذه اللحظة، لأنهم ببساطة لا يعرفون ماذا هم فاعلين بأنفسهم وتحديداً لن يصدقوا بأن من حقهم أن يحصلوا على مهلة لاسترداد الأنفاس أخيراً، بعد نهار عمل شاق.

نعرف جيداً كيف نتحمل الإرهاق والتوتر النفسي الناتج عن ضغوط العمل، كما نعرف كيف نسابق الساعات لإنجاز المتراكم من العمل واللحاق بقطار المسؤوليات الذي لا يتوقف أحياناً في محطات استراحة ولو مؤقتة. ما لانعرفه حقاً، هو كيفية قضاء وقت الفراغ المتبقي من اليوم؛ كيف نستغل لحظاته القصيرة، كيف نسترخي ونستمتع بكوب من القهوة أو بمشاهدة فيلم في التلفزيون، كيف نشارك أطفالنا ضحكتهم ونحن نتناول رقائق البطاطا اللذيذة وكيف نستمتع بالنميمة مع الأصدقاء عبر الهاتف.

يحدث هذا الأمر، لأن الجسد عندما يتوقف عن العمل، لوقت قصير، فإن العقل يستمر وربما تتضاعف طاقته في العمل ليتجاوز الحالة الطبيعية، ولهذا، فإننا عندما نسترخي قليلاً ونعمد إلى الراحة فنحن نواجه بمّد غريب ومكثف من الأفكار الملحاحة والمزعجة، التي تشعرنا بأننا نمارس سباق ماراثوني من الجري لمسافات طويلة على الرغم من أننا في الواقع، لا نغادر الكرسي الذي نجلس عليه، نجري ونلهث ونتعثر لمجرد أن فكرة مزعجة تبدأ بتعكير لحظة الفراغ من العمل الجسدي، فتبدو مثل خطر يتهدد لحظات السكون أو خربشة أظافر قط جائع في طريقة إلى الانقضاض على وجوهنا.

مع هذا، نحاول أن نتمسك باللحظة قبل أن تفّر من أمامنا ويواجهنا السؤال ذاته؛ ماذا نفعل وكيف نقضي وقت الفراغ القصير هذا وكيف نضيّعه في عمل شيء يجدد طاقتنا وينعش روحنا، فتخذلنا الإجابة لنكون مثل صائم طال جوعه وعلى غفلة، تمتد أمامه مائدة طعام حافلة بما لذ وطاب فتصيبه الحيرة للحظة وهو يقف مذهولاً ويسأل نفسه، ترى ماذا سأختار وأيهما ألذ مذاقاً. حين يطول تردده أمام المائدة الباذخة، يمضي الوقت سريعاً جداً ويكاد يمرّ من دون أن يتذوق لقمة واحدة، فتضيع عليه الفرصة، ليسمع من يهمس بإذنه: أن المهلة قد انتهت ولابد أن يعود إلى صيامه.

إحدى المواقع الإلكترونية المتخصصة في التربية، طرحت هذا السؤال على السيدات المتابعات للموقع: كيف تقضين وقت الفراغ القصير بعد يوم عمل شاق، قبل أن تنتهي المهلة؟

أجابت إحدى الأمهات بحماس: “لا شيء، ربما سأجلس أمام شاشة التلفزيون أحدق فيها بغباء وأقضم أظافري”!

كاتبة عراقية

21