انتهى زمن رواج التعليم الأزهري في مصر

بات الكثير من أولياء الأمور في مصر يعتقدون أن جامعة الأزهر والمدارس التابعة للمؤسسة لم تعد المكان الأمثل لتعليم أبنائهم بسبب تعرضهم لأفكار ومناهج تبعث على الجمود الفكري والانغلاق وأحيانا التشدد، فيما تشهد المدارس الحكومية إقبالا غير مسبوق من الطلاب الفارين من الأزهر.
الثلاثاء 2016/08/16
حيرة التفكير مرتين

القاهرة - تحول الهروب الجماعي من الدراسة في المعاهد (المدارس) الأزهرية إلى المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم في مصر، إلى ظاهرة قد تقود البلاد إلى اختفاء منظومة التعليم الأزهري التقليدي.

وينتظر الآلاف من الطلاب المصريين الانتقال من التعليم الأزهري إلى مدارس التعليم العام (الحكومي) بفارغ الصبر، هربًا من واقع دراسي أليم، ومناهج يصعب تحصيلها، ونسب نجاح لم تتعد الـ28 بالمئة في المرحلة الإعدادية هذا العام، ونظرة سلبية واسعة الانتشار.

وتكدس أولياء أمور وطلاب يدرسون في مدارس تابعة للأزهر أمام مكاتب الإدارات التعليمية في محافظات متفرقة أملا في ضمان الموافقة على الالتحاق بمدارس التعليم العام قبل آخر شهر أغسطس الجاري، وهي المهلة المحددة من قبل وزارة التعليم.

وقالت مصادر بوزارة التعليم لـ”العرب” إنه من المتوقع أن تكون معدلات الانتقال مرتفعة للغاية، فقد زاد عدد من تقدموا بطلبات تحويل بـ”نسب خيالية”.

وانعكست التحولات السياسية التي مرت بها مصر منذ الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في يوليو 2013 على انطباعات غالبية المصريين الذين باتوا يحملون نظرة سلبية لخريج التعليم الأزهري.

وتوغل متشددين منتمين إلى تيارات إسلامية راديكالية في مدارس الأزهر هو عامل حاسم في “هجرة غير مسبوقة” إلى التعليم الحكومي. ويقول الكثيرون إن المؤسسات الرسمية المصرية لا تأخذ خريج الأزهر على محمل الجد.

مناهج الأزهر تعتمد على التلقين فقط وتخاطب عقولا قديمة، وغالبيتها تعتمد على كتب التراث البالية

ويجد خريج التعليم الأزهري صعوبات في الحصول على وظيفة حكومية بعد التخرج، إذ عادة ما تكون الأولوية في التعيين لخريجي الجامعات الحكومية.

ويقول خبراء التعليم إن تجنب التعليم الأزهري يعكس تنامي الاعتدال الديني بين أجيال الشباب في مجتمع محافظ.

لكن قبل الحصول على وظيفة يواجه طالب الأزهر عقبات أخرى. وبين هذه العقبات فشل مرجح في الالتحاق بكليات تهيمن على تطلعات غالبية الطلاب، الحالمين بدراسة الطب والهندسة والإعلام، لقلة عددها. وتضم جامعة الأزهر 8 كليات طب، والعدد نفسه للصيدلة والهندسة والعلوم.

ويحظى طلاب المدارس الحكومية في المقابل بوفرة في كليات تدرس تخصصات متعددة. وتتسم المناهج الدراسية في الأزهر بالتعقيد والكثافة والقدم، إذ يعود أغلبها إلى عقود. وعادة ما يقبل المصريون على نقل أبنائهم من التعليم الأزهري إلى الحكومي، وليس العكس.

وقالت مصادر في وزارة التعليم المصرية إن معدلات الانتقال من التعليم الأزهري إلى التعليم الحكومي وصلت إلى أدنى مستوياتها خلال عام حكم الرئيس محمد مرسي المنتمي إلى الإخوان المسلمين، الذي لطالما روج لمرجعية إسلامية للدولة.

واعتقد كثيرون وقتها أن مكانة الأزهر ستشهد ارتفاعا خلال حكم جماعة تتبنى أجندة إسلامية، في انعكاس على فرص الخريجين من المدارس التابعة له. لكن اليوم تشهد عدة قرى ومدن مصرية إغلاق مدارس أزهرية بسبب هجرة طلابها.

ويقول أشرف حبيب، الخبير والباحث في الشؤون التربوية، إن “زوايا عديدة تسببت في انتشار ظاهرة ترك التعليم الأزهري، أهمها أن الطالب يشعر أنه يعيش في خندق واحد، لا يمكن له التطور والإبداع أو الخروج عن كل ما هو ديني، كما يشعر بالكبت من نظام التعليم الواحد، بعكس طالب التعليم العام الذي يتاح له دخول المدارس الخاصة والدولية والأجنبية، ويمكن له أن يدرس في أي نظام تعليمي يريده”.

توغل تنظيم الإخوان المسلمين في التعليم الأزهري تسبب في نفور واسع بين العائلات المعادية لأفكار التنظيم

وأضاف لـ”العرب” أن مناهج الأزهر “تعتمد على التلقين فقط وتخاطب عقولا قديمة، كما أن غالبيتها مأخوذة من كتب التراث التي لم تعد تصلح في الوقت الحاضر، ما يخرّج أجيالًا من الشباب بعيدة عن التحرر والتقدم والارتقاء بفكرهم وحياتهم الشخصية، وتراهم منعزلين عن الآخرين”.

وفي الكثير من الأحيان، يتهم أولياء أمور معلمين في المدارس الأزهرية بالتشدد والرجعية، ويعربون عن مخاوفهم من استمرار أبنائهم في مدارس بات ينظر لها على نطاق واسع بأنها “مصدر رئيس للتطرف”.

كما تسبب توغل تنظيم الإخوان المسلمين في التعليم الأزهري في نفور واسع بين العائلات المعادية لأفكار الإخوان من التعليم الأزهري، خشية استدراج أبنائهم للانضمام إلى صفوف التنظيم، أو التعاطف معه. وخلال أعوام 2013 و2014 و2015 شهدت جامعة الأزهر تظاهرات عنيفة نظمها طلاب الإخوان المسلمين، والدخول في مواجهات دامية مع قوات الأمن التي ألقت القبض على المئات منهم.

وقال مدير مدرسة أزهرية بمحافظة البحيرة (شمال القاهرة)، فضل عدم نشر اسمه، إن “الأزهر لا يفصح كل عام عن أعداد الطلاب الذين يتحوّلون إلى التعليم العام، خوفًا من تشويه صورته وإظهار تدهور العملية التعليمية في المعاهد الأزهرية”.

وأضاف “الحقيقة أن التعليم الأزهري يحتضر، ولا توجد إرادة حقيقية لإصلاحه، لأن القائمين على إدارته لا يعرفون من أين يبدأون، فسياسة الأزهر في التعليم متحجرة لا تخاطب الأجيال الجديدة، أما المعلمون فأغلبهم جرى تعيينهم دون تدريب، وبعضهم غير متخصصين”.

ولا يحظى التعليم الأزهري بشعبية كبيرة في الإعلام المصري بسبب عدم الاستقرار والتظاهرات، وشيوع ارتداء الطالبات للنقاب. ولم تتعد نسبة النجاح في المدارس الثانوية الأزهرية لعام 2016، الـ41 بالمئة، مقابل 80 بالمئة في الثانوية العامة، نتيجة صعوبة الامتحانات الأزهرية، التي تتسبب في ارتفاع نسب الرسوب إلى مستويات قياسية. وليس متاحا للطالب الأزهري الالتحاق بالجامعات الخاصة، على عكس خريج المدارس الحكومية.

وقال مدير المدرسة الأزهرية لـ”العرب” إن الكثير من الطلاب الدارسين في المدرسة التي يديرها طلبوا التحويل إلى التعليم العام. وأضاف “ثقة الناس في التعليم الأزهري اهتزت، على عكس الأجيال القديمة التي تربت في هذه المؤسسة”.

17