انحدار أسعار النفط فرصة لإصلاح الخلل في الاقتصاد السعودي

الثلاثاء 2014/12/09
تراجع عائدات النفط فرصة لتنويع مصادر تمويل الاقتصاد

الرياض - تصاعد الجدل في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية السعودية حول تأثير هبوط أسعار النفط على الموازنة العامة للدولة، وكذلك تنفيذ المشاريع الحكومية وكل ما يمس الحياة الاقتصادية في البلاد.

تحاول الحكومة السعودية منذ أسابيع طمأنة المجتمع بأن سياستها النفطية، تنطلق من أسس اقتصادية تحقق مصالح المنتجين والمستهلكين، وعبرت عن ارتياحها لقرار أوبك الإبقاء على سقف الإنتاج دون تغيير.

وتتداول الأوساط الاقتصادية والاجتماعية تبعات القرار التي يرجح البعض أن تؤدي إلى بقاء الأسعار في مستويات منخفضة لفترة طويلة في إطار حرب كبار منتجي أوبك بقيادة الرياض على إنتاج النفط والغاز الصخري خاصة في أميركا الشمالية.

قال الخبير المالي السعودي عبدالوهاب أبوداهش لـ”العرب” إن قرار أوبك هو قرار خليجي بالدرجة الأولى لأن السعودية والكويت والإمارات وقطر تنتج أكثر من نصف إنتاج أوبك، وقد اختارت الوقت المناسب لضرب النفط الصخري.

وأضاف أنها رفضت أن تتحمل خفض الإنتاج لوحدها بسبب وجود حظر على إيران وحروب في ليبيا والعراق ومشاكل فنية في دول أخرى، في وقت يتباطأ النمو في أوروبا واليابان والصين، مما أدى إلى تراجع نمو الطلب العالمي.

وأشار إلى أن أسباب التراجع هو ضعف الطلب في المقام الأول، تبعته زيادة في المعروض جراء زيادة إنتاج النفط الصخري وإنتاج الدول خارج أوبك.

ورأى أن دول الخليج قادرة على تحقيق عدة أهداف في فترة زمنية واحدة إذا استطاعت دول أوبك تحمل انخفاض أسعار النفط لعامين قادمين.

عبدالوهاب أبو داهش: دول الخليج ستقوم بتخفيضات في النفقات قد تتجاوز 25 بالمئة

وأضاف أن أبرز الأهداف هو خروج النفط الصخري والضغط على دول من خارج أوبك على خفض الإنتاج والمساهمة في تعافي اقتصاديات الصين وأوروبا واليابان كي يعود الطلب قويا على النفط في أسرع وقت ممكن.

وقال أبو داهش إن دول الخليج في الأمد القصير قد تعاني من عجز في موازناتها الحكومية وخصوصا السعودية في العام الحالي والقادم. وقد تخفض النفقات بنحو 25 بالمئة وتقوم بالسحب من الاحتياطيات لسد العجز المتوقع في موازناتها.

ورأى أن ذلك قد يخفض معدلات التوظيف، لكن التركيز سيكون على خفض العمالة الوافدة وليس المواطنة.

وأضاف أنها فرصة جيدة قد تستفيد منها دول الخليج في زيادة توظيف مواطنيها والتفرغ لإجراء عمليات إصلاح أكثر جدية مثل إنشاء صندوق سيادي للحكومة السعودية، وكذلك الاستمرار في إصلاح القطاع العقاري بمزيد من الأنظمة والتشريعات التي تساعد كثيرا في جعله موائما للمواطنين.

ويرى الأكاديمي الاقتصادي عبدالله بن ربيعان، أن السعودية هي البلد الأكبر المؤهل لزيادة الإنتاج، وهي تستطيع رفع الإنتاج من أقل من عشرة ملايين برميل يوميا في الوقت الحاضر إلى أكثر من 12 مليون برميل.

لكنه قال إن ذلك مستبعد حاليا حتى إذا تراجع إنتاج النفط الصخري، بسبب تباطؤ النمو في الصين واليابان وهما من أكبر مستوردي النفط السعودي، وكذلك تباطؤ النشاط الاقتصادي في أوروبا.

ويتساءل المراقبون عن مستقبل منظمة أوبك حيث يرجح البعض انفراط عقدها، أو دخولها في إعادة هيكلة، قد تؤدي إلى توسيع عضويتها لتشمل معظم المنتجين الآخرين.

ويرى بن ربيعان أن أوبك كمنظمة ستبقى، ولكن دورها الفعلي في التفاعل مع ما يحصل في سوق النفط العالمية بدأ يضعف. وأضاف أن المنظمة لم تعد لها القدرة على فعل الكثير لعدة أسباب منها زيادة إنتاج الأعضاء من خارجها، وعدم التزام أعضائها بقراراتها.

أما أبو داهش فقال إن اجتماع أوبك الأخير أعطى نوعاً من الاطمئنان في قدرة المنظمة للخروج بقرار توافقي، وهي تحتاج للتماسك في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى خصوصا أن النفط الصخري أصبح يهدد وجودها بالفعل.

عبدالله بن ربيعان: انخفاض أسعار النفط سيؤثر على مختلف نواحي الحياة السعودية

وقال إنه يجب على أوبك التعاون في مواجهة هذا المنافس الشرس، وأن قرارها الأخير يصب في هذا الاتجاه، رغم تكبد دول مثل فنزويلا ونيجيريا خسائر فادحة.

وأشار بن ربيعان إلى أن انخفاض أسعار النفط سيؤثر على مختلف مناحي الحياة في السعودية، حيث يشكل النفط 87 بالمئة من الصادرات وأكثر من 94 بالمئة من دخل الحكومة. وأوضح أن انخفاض النفط سيؤثر كثيرا على زيادة المشاريع التنموية أولا، ثم على الإعانة التي تقدم للمواطن داخليا على استهلاك النفط. وهو ما سيكون تأثيره على رفع جزء من دعم الوقود داخليا. وأضاف أن ذلك قد يسرع مشاريع الطاقة النووية لتخفيف استهلاك النفط التقليدي، حيث تعتزم السعودية بناء 16 محطة نووية لإنتاج الكهرباء وسيبدأ تشغيل أولها في 2020. وهو ما سيقلل استهلاك النفط داخليا بنسبة تصل إلى 40 بالمئة.

ويرى أبو داهش أن الإيجابيات تطغى كثيرا على السلبيات على المستوى الداخلي، حيث سيؤدي تراجع أسعار النفط إلى خفض أسعار جميع الواردات من الصين واليابان وأوروبا، كما قد يؤدي إلى تراجع في أسعار العقارات إذا استطاعت الحكومة تقديم وحدات سكنية جاهزة.

وعلى صعيد الإنفاق قال أبو داهش أنه سيشهد تراجعا وخصوصا في الجانب الاستثماري، لكنه لن يؤثر كثيرا على المشاريع العملاقة ومعظم مشاريع التعليم والصحة، لأن أموالها تم حجزها من الموازنات السابقة.

ويرى مراقبون أن تراجع أسعار النفط قد يؤثر على المساعدات الخارجية لدول مثل مصر، لكن أبو داهش قال إن مصر لم تعد بحاجة كبيرة إلى الأموال بعد استقرار أسعار الصرف واستقرار احتياطيات البنك المركزي المصري وكذلك قدرتها على جذب استثمارات خارجية خليجية وغيرها لإنعاش اقتصادها.

11