انحدار شعبية بوتين

بالطبع، لا يزال الرئيس فلاديمير بوتين في موقع قوي ويتمتع بشعبية كبيرة نسبيا، ولكن المؤشرات الجديدة المتضافرة تقول إن المستقبل قد يحمل العديد من المفاجآت.
السبت 2018/08/18
بلغت فترة التحديث البوتيني نهايتها على ما يبدو

على الرغم من وعورة الطريق الذي اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يسلكه على مسـتوى السياسة الخارجية خلال العقد الأخير، لكنه بدا أنه يحقق نجاحا تلو الآخر، من دون مصاعب كبرى تذكر.

سال الكثير من الحبر على تحليل “مغامرات” القيصر الروسي في جورجيا ثم في كل من أوكرانيا وسوريا، إذ بدت تلك التدخلات العسكرية متهورة، ليظهر لاحقا أنها كانت مدروسة بعناية ومسلحة بأدوات وتكتيكات مختلفة تدفعها إلى النجاح بأقل الخسائر.

ولكن على الرغم من تلك النجاحات على صعيد السياسة الخارجية، يبدو أن الأزمات الداخلية تتفاقم بوتيرة متسارعة قد تهدد مستقبل الرئيس الروسي.

تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى انخفاض كبير في شعبية بوتين خلال الأشهر الماضية.

فحسب مركز ليفادا، وهو مركز روسي مستقل لدراسة الرأي العام في روسيا، بلغت نسبة المؤيدين للرئيس الروسي 67 بالمئة وذلك بانخفاض كبير عن نسبة بلغت 82 بالمئة في أبريل الماضي. كما انخفضت الثقة بالرئيس الروسي من 60 بالمئة، في مطلع هذا العام، إلى نسبة 48 بالمئة في شهر يونيو الماضي.

حصل الارتفاع الكبير في شعبية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال نحو عقد ونصف من الزمن تحت تأثير عاملين. العامل الأول هو السياسة الخارجية الجريئة والعدوانية التي داعبت المشاعر القومية الروسية وأظهرت روسيا كقوة عالمية من جديد.

وقد أثرت هذه السياسة على كافة الفئات العمرية، ولكنها أثرت بشكل خاص على الفئة العمرية الأكبر التي تظهر استطلاعات رأي قديمة أنها تشعر بالحنين لمرحلة الاتحاد السوفييتي.

لذلك كان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في العام 2014 نقطة تحول كبيرة في شعبية الرئيس الروسي حيث صعدت من نحو 60 بالمئة إلى 80 بالمئة. إذ اعتبر الروس وقتذاك أن الخطوة الروسية المتحدية أعادت روسيا إلى الساحة العالمية كقوة عظمى.

ولكن شعبية فلاديمير بوتين ترتبط أيضا بما حققه للبلاد من استقرار سياسي وأمني، وأيضا من قيادته لمرحلة من الانفتاح الاقتصادي والتجديد التكنولوجي فتحت روسيا على العالم بعد عقود طويلة من الانغلاق.

وقد جذبت تلك المرحلة الشبان والفئات الوسطى بصورة خاصة، إذ ترتفع شعبية بوتين بين الشباب مقارنة مع بقية شرائح المجتمع، وقد بلغت مطلع هذا العام نسبة 86 بالمئة، بحسب إحصائيات مركز ليفادا الروسي، في مقابل 76 بالمئة للفئات الأكبر عمرا.

هكذا نشأ جيل جديد خلال العقدين الماضيين يطلق عليه البعض “جيل بوتين”: الملايين من الشباب الذين لا يعرفون روسيا من دون فلاديمير بوتين.

وقد شكل ذلك لغزا، إذ كيف يستند حكم تسلطي، ويزداد تسلطا، على قاعدة شبابية يعول عليها كثيرون لحمل قيم الديمقراطية والحرية. حيث عادة ما تعتبر شريحة الشباب في مختلف دول العالم الفئة الأكثر تقدمية، ولكنها في روسيا تعتبر الأكثر محافظة.

ينبع ذلك بصورة رئيسية من الخشية من الماضي الذي، كما يردد الآباء والأجداد، لا يجب أن يعود وتحت أي ثمن.

هنالك فترة مظلمة جدا في تاريخ روسيا الحديث. وهي ليست فترة الحكم الشيوعي للاتحاد السوفييتي، رغم مظاهر الانغلاق الشديد والانعزال عن العالم التي عززت مشاعر السخط لدى الروس، بل هي الفترة التي تلت مباشرة انهيار الاتحاد السوفييتي. وقتها عاش المواطنون الروس نحو عقد من الزمن في دولة ضعيفة تسودها الفوضى، وانهارت فيها الخدمات العامة وانحدر المستوى المعيشي للمواطنين.

وبحسب الكثير من الدراسات فإن غياب الاستقرار الأمني وضعف الدولة ومؤسساتها وخدماتها، هما أكثر ما يثير قلق السكان في مختلف بلدان العالم، ولتجنب حالة الفوضى تلك تكون الأغلبية مستعدة للتخلي عن كل شيء، أو القبول بأي شيء.

ولكن انخفاض شعبية فلاديمير بوتين هو، بالضبط، بسبب ما يبدو للمواطنين الروس أنه نهاية مرحلة الاستقرار التي قادها الرئيس الروسي، وبداية مرحلة تدهور متسارع على الصعيد الداخلي وخصوصا الاقتصادي.

لقد بلغت فترة التحديث البوتيني نهايتها على ما يبدو، فرغم أن الانفتاح الاقتصادي في مطلع الألفية الحالية قد جلب بعض التحسينات، لكنه اليوم لا يَعدُ إلا بمزيد من الفساد وبتوسيع التفاوت الاقتصادي والفقر بين المواطنين الروس. ومع وصول فترة الانفتاح الاقتصادي تلك إلى نهايتها يبدو واضحا أن لا انفتاح سياسيا يلوح في الأفق.

تحتل المشاعر القومية موقعا مميزا ضمن العوامل التي تؤثر على تفضيلات المواطن الروسي بالطبع، ولكن حصوله على العمل والخدمات الاجتماعية والشعور بثقة واطمئنان حيال مستقبله، قد يكونان العاملين أكثر أهمية، أو على نفس الدرجة من الأهمية.

لهذا فإن نفس الاستطلاع الذي نقل انخفاض شعبية بوتين أشار أيضا إلى أن 40 بالمئة من الروس يعتقدون بأن روسيا لا تسير في الطريق الصحيح، وذلك بارتفاع كبير عن نسبة 26 بالمئة قبل أشهر.

كما عبّر نحو 60 بالمئة، أي أغلبية المواطنين الروس، عن اعتقادهم بأن الحكومة لن تكون قادرة على تحسين الأوضاع الاقتصادية في وقت قريب.

بالطبع، لا يزال الرئيس فلاديمير بوتين في موقع قوي ويتمتع بشعبية كبيرة نسبيا، ولكن المؤشرات الجديدة المتضافرة تقول إن المستقبل قد يحمل العديد من المفاجآت. حيث إن جيل الشباب الروسي الذي عاش في حالة فزع من الماضي، بدأ ينسى ويتحرر من قيود ذلك الماضي.

8