انحراف إعلام المعارضة عن طريق الثورة السورية يقتضي تصحيحا للمسار

الاثنين 2014/12/29
إعلام الثورة مدعو لأن يقدم الصورة الحقيقية للأحداث دون السقوط في الاصطفاف

اقتصر دور الإعلام في البلدان العربية عموما على التبعية المطلقة للأنظمة الحاكمة وتحوّل إلى مجرد بوق للسلطة، حتى جاءت ثورات ما سُمّي بـ”الربيع العربي”، لتجلب معها ما بات يُعرف “بالإعلام الثوري أو البديل”، لكنّه إعلام اتّسم في نظر العديد من المراقبين (بالنظر إلى التجربة السورية كأنموذج) بمساوئ وسلبيات أفقدته دوره ومصداقيته وانزاحت به عن الهدف الأساسي الذي جُعل لأجله.

لكل ثورةٍ من ثورات ما سمّي بـ”الربيع العربي” نموذجها الذي تنفرد به، لكنّ الثورة السورية تعدّ في نظر معظم المراقبين الأكثر تعقيداً وإثارة للجدل، وهو ما أدى إلى تعقيد وصعوبة العمل في مجال “إعلام الثورة”، الذي اتّسم بدوره بعدد من السلبيات والنقائص التي باتت اليوم جلية للمُتلقّي العادي أكثر من ذاك الباحث في خلفيات الخبر ومراحه الذي انطلق منه.


كيف نشأ "إعلام الثورة"؟


عند التطرّق إلى الحديث عن “الإعلام الثوري” ( النموذج السوري ) لابد أن يلقي الباحث نظرة على بدايات ظهور هذا المصطلح والمراحل التي مرّ بها، حيث كانت البداية عبارة عن مجموعة من المقاطع لمظاهرات يقوم الأمن السوري بقمعها يصورها أشخاص عاديّون بكاميرات هواتفهم النقالة، ومن ثمّة يرسلونها إلى القنوات الفضائية لفضح ما يقوم به النظام من انتهاكات ضدّ المتظاهرين السلميين، ومن أجل تعرية الإعلام الرسمي الذي حاول منذ البداية أن يقدّم صورة زائفة بعيدة عن الواقع، ومع مرور الوقت اتسعت رقعة المظاهرات المناهضة لحكم الرئيس السوري بشار الأسد، وامتدت لتشمل معظم الأراضي السورية، وتوسّع معها عمل الناشطين في المجال الإعلامي لتوثيق ما يجري على الأرض والتّأثير على الرأي العام العربي والعالمي عن طريق النقل الحي والمباشر للمظاهرات وبثّها على العديد من القنوات الفضائية.

ومع دخول الثورة السورية مرحلة العسكرة، أصبحت الحاجة مُلحّة إلى وجود كوادر إعلامية تعمل بمهنية وكفاءة عالية من أجل مواكبة تعقيد وتشابك الأحداث والتطورات على الساحة السورية. ومن أجل منافسة الإعلام الرسمي الذي يُسوّق للنظام السوري أصبح “الإعلام الثوري” مطالباً بتقديم إنتاج إعلامي حيوي ومتطور، وكانت البداية مع ظهور مجموعة من الشبكات الإعلامية تبعها ظهور مجموعة من القنوات الفضائية.

هناك من يريد تحويل هذه النعمة إلى نقمة بعدة طرق منها إفساد عمل الإعلاميين إما بضخ المال السياسي وإما بتقييد الأقلام الحرة


كيف وقع الانحراف عن الهدف؟


في الوقت الراهن يمر الإعلام الثوري بمحنة حقيقية بعد تنامي دور التنظيمات والكتائب الإسلامية، بالإضافة إلى تواجد الكتائب والتشكيلات العسكرية المعارضة، وهو ما خلق نوعا من الخوف والرهبة لدى الإعلاميين والناشطين وعدم القدرة على انتقاد الأخطاء التي ترتكبها تلك الجماعات المسلّحة خوفا من القتل أو التعذيب على أيدي ما بات يُعرف “بشبيحة الثّورة”، والأمثلة كثيرة على ذلك. فالعديد من الناشطين دفعوا حياتهم ثمنا بسبب كتابة بعض الأسطر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ومنهم من تعرض لأبشع أنواع التعذيب على أيدي المجموعات الموالية للثورة بسبب انتقاد تشكيل عسكري ما، ومنهم من قُطعت أصابعه بسبب فضحه لسرقات أحد القادة الذين يجمعون الأموال ويعيشون حياتهم برفاهية ورخاء على حساب دماء الأبرياء. لكلّ هذه الأسباب ولغيرها أصبح العمل في مجال “إعلام الثورة”، أشبه باللعب بالنار التي ستحرق أصابع كل من يدنو منها.

ورغم أنّ هذا الإعلام الذي اختار الاصطفاف إلى جانب القوى المناهضة للنظام لعب دورا هامّا مع بداية الأحداث، إلاّ أنّ مساره اليوم أضحى مليئا بالأخطاء التي انزاحت به أحيانا عن الطريق التي اختار أن يسير وفقها منذ البداية، وأكثر الأخطاء شيوعا هي تلك التي تتعلق بتسريب معلومات عسكرية للنّظام “من دون قصد”، عن طريق بثّ بعض التقارير المصوّرة وغير المدروسة لمواقع انتشار الثوار أو أماكن تخزين الأسلحة وطرق إدخالها إلى المناطق المحاصرة، نتيجة لقلة خبرة الناشطين في مجال الإعلام الحربي وعدم وجود رؤية واضحة في تحديد الهدف من بثّ بعض التقارير الّتي تخدم النظام، وتقدّم له المعلومات على طبق من ذهب دون أن تعود بأيّ فائدة أو نفع على الثّورة والثّوار، خاصّة تلك الفيديوهات الّتي تُصوَّر بهدف تلقي الدّعم والمال دون دراسة تبعات هذه الفيديوهات وضررها سواءً كان على المدنيين أو حتّى على الثوار أنفسهم.


ماهي أبرز السلبيات؟


يُعاني “إعلام الثّورة” من العديد من السّلبيات التي أثرت على مصداقيته ووسمته لدى عدد من المراقبين بأنه ليس مصدرا موثوقا لاستقاء الخبر، ومن بين أبرز هذه السلبيات نذكر؛

"إعلام الثورة" لعب دورا هاما مع بداية الأحداث إلا أن مساره اليوم أضحى مليئا بالأخطاء التي انزاحت به أحيانا عن طريق الثورة

*غياب الموضوعية: أضحى من الجلي أنّ “إعلام الثورة” يعتمد لدى نقله للأخبار على التهويل والتّضخيم دون وجود أهداف واضحة، في محاولة من القائمين عليه لمواجهة إعلام النظام بنفس أدوات الكذب والاستعراض التي يستخدمها. وهذا التهويل أفقده الموضوعية التي كان عليه أن يتحلّى بها. فمن يقرأ الشريط الإخباري لقناة “الدنيا” (المحسوبة على النظام) ويرى أعداد “المسلحين” الذين تم قتلهم منذ بداية الثورة حتى يومنا هذا، سيظن أن النظام قتل منهم عددا يتجاوز تعداد سكان سوريا بأكملها، في المقابل من يتابع الشريط الإخباري لقناة “السوري الحر” (المحسوبة على المعارضة) ويرى أعداد قتلى قوات النظام وشبيحته يوميا، سيظن أنّ قوات المعارضة قضت على الجيش السوري وشبيحة النظام بالكامل. ومثل هذا التهويل من شأنه أن يضرّ بـ”إعلام الثورة”، أكثر ممّا يفيده.

* فقدان المصداقية: عمل إعلام النظام منذ انطلاق الشرارة الأولى للثورة السورية على محاولة طمس وتشويه الحقائق وتكذيب كل ما يتم نشره عبر وسائل “إعلام الثورة”، وإقناع الرأي العام العربي والعالمي بروايته عن طريق بعض الفقرات والبرامج التي كانت تبث بشكل يومي عبر قنواته الرسمية والأخرى الموالية له، من أجل الإقناع بأنّ إعلام الثورة يعتمد على “التضليل الإعلامي”، وقد نجح في العديد من المرات في كسب المعركة الإعلامية نتيجة وقوع “الإعلام المعارض” في أخطاء أدّت إلى التشكيك في مصداقية كل ما يقدّمه من روايات وصور وفيديوهات واعتبارها “مفبركة”. ويكمن السبب الذي أدى إلى ذلك في عدم وجود مرجعية إعلامية حقيقية على الضفة المقابلة باستطاعتها أن تدير وسائل إعلام المعارضة في هذه الحرب الإعلامية الشّرسة التي تدور رحاها لإقناع المجتمع الدولي بمصداقية رواية أحد الطرفين.

* ضعف القنوات الإعلامية: خلال شهر أغسطس المنصرم، أفاد تقرير “دراسة الجمهور السوري” الذي قام بإعداده “مركز التعاون والانتقال الإعلامي” بالتعاون مع فريق من الباحثين في الجامعة الأميركية في بيروت، بإشراف جاد ملكي، حيث غطى البحث جمهور السوريين في أماكن اللجوء بالأردن ولبنان وتركيا وفي المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام والأخرى التي تقع تحت سيطرة قوات المعارضة، أنّ القنوات الإعلامية الناطقة باسم الثورة السوريّة غائبة وتمّ إدراجها في أسفل قائمة القنوات مُتابعةً من قبل السوريّين باستثناء قناة “أورينت”، التي احتلت المرتبة الثالثة، فيما احتلّت قناة “العربية” المرتبة الأولى. ولنتائج هذا التقرير دلالات كثيرة، منها ضعف القنوات التي نشأت أساسا لخدمة السّوريين والتعبير عن تطلعاتهم ومطالبهم وعدم كفاءة ومهنية العاملين في تلك القنوات كونهم لا يملكون الخبرة الكافية. وهذا ما يُفسّر عدم قدرتها على جذب المشاهد السوري.

ضرورة إيجاد استراتيجية إعلامية موحّدة ومنظمة بمقدورها مواجهة إعلام النظام الذي مازال ينسق مع بعضه البعض على الرغم من ترنّحه


هل من إمكانية للتدارك؟


ما من شك أن ثورة الإعلام التي تشهدها سوريا الآن هي نعمة ستشكل حجر الأساس في بناء إعلام جديد بنواةٍ متينة في سوريا المستقبل. كما أن دور “إعلام الثورة”، رغم ما يلفّه من سلبيات لم ينتهِ بعد، ومازال ينقل صورة ما يحدث في البلاد من فضائع إلى العالم أجمع، لكن هناك من يريد تحويل هذه النعمة إلى نقمة بعدّة طرق، منها إفساد عمل الإعلاميين إمّا بضخ المال السياسي وإما بتقييد الأقلام الحرة، مما يساهم في تحوّل بعض الناشطين إلى مجرد أبواق دعائية لترويج سياسات بعض الكيانات الثّورية وتأييد ممارستها حقّا أو باطلا. ولذلك يرى عدد من المراقبين أنّه بات من الضروري أن يتم تصحيح المسار.

هذا التصحيح رغم أنّ تجاوز أخطاء “إعلام الثورة” يعدّ عملية معقدة مرتبطة ارتباطا وثيقا بغيرها من الأخطاء في المجالات الأخرى وخاصة مسألة المال السياسي وطريقة توظيفه، لا يعتبر مهمة مستحيلة عصيّة على التّحقّق، إذ يجب أن يتمّ إيجاد حلول تتناسب مع معطيات الواقع، يستطيع إعلام الثورة من خلالها الظهور بمستوى إبداعي وفني راق يساهم في تسويق قضية الشعب السوري ومعاناته دوليا وإقليما مع الابتعاد عن كلّ ما كان قد قدّمه سابقا من مواد إعلامية “مدجّنة” و”مغلوطة” تخدم هذا الطرف أو ذاك.

ولابد من العمل الجاد على إيجاد استراتيجية إعلامية موحّدة ومنظمة بمقدورها مواجهة إعلام النظام الذي مازال ينسق مع بعضه البعض على الرغم من ترنّحه في العديد من المواقف.

وهذه الأمور تتطلب تكاتف الجميع من إعلاميين وناشطين ومثقفين ومفكرين وسياسيين وعسكريين من أجل العمل بالقول والفعل على تصحيح مسار إعلام الثورة ووضعه على الطريق الصحيح حتى يرقى إلى مستوى تضحيات وتطلّعات الشّعب السوري الحر.

7