انحراف المراهقين يؤرق الأسرة ويهدد المجتمعات

تشهد المجتمعات تفشي ظاهرة انحراف المراهقين والمراهقات، ورغم الجهود التي تبذلها العائلات للحفاظ على أبنائها، إلا أن المشكلات الأسرية خاصة منها الخلافات الزوجية والأزمات الاقتصادية، تبقى المؤثر الرئيسي على الأطفال وخاصة منهم المراهقون وتدفعهم نحو السلوكيات المنحرفة التي تضاعف معاناة الآباء والمجتمع.
السبت 2017/02/18
أحد مسارات الانحراف

تعاني الكثير من الأسر في المجتمعات العربية من تفشي ظاهرة انحراف المراهقين، وتوصلت دراسات حديثة إلى وجود علاقة وطيدة بين قسوة الأبوين وجنوح المراهق نحو السلوكيات الخاطئة مثل التسكع في الشوارع أو الانخراط في سلوكيات جنسية أو عدوانية.

وأكدت دراسة تونسية أن البعد الاقتصادي مهمّ ورئيسي في تفشي ظاهرة جنوح الأطفال حيث تعيش هذه الفئات تهميشا اقتصاديا وفقرا مدقعا، إذ أن 58 بالمئة من أسر هؤلاء الأطفال تعيش توترات داخلية جراء نقص الموارد المالية.

وأشارت إلى أن البطالة ضاعفت أزمتهم، حيث أن 53.5 بالمئة من آبائهم عاطلون عن العمل كما مثلت هذه العوامل بيئة ملائمة للجنوح خاصة أن 51.5 بالمئة من الذين شملتهم الدراسة أكدوا أن فردا أو أكثر من العائلة دخلوا السجن أو أوقفوا على ذمة قضية عدلية وهو ما يعكس تأثير النشأة الاجتماعية القائمة على العنف والانحراف.

وقالت الدراسة إن الاعتقاد بأنّ انتشار تهذيب العائلة في المجتمع التونسي المرتبط بسياسات تحديد النسل والتحكم في النمو الديموغرافي الذي انتهجته الدولة منذ مطلع الاستقلال، بقدر ما كان عاملا مشجعا على النمو الاقتصادي للأسر، مثل رفع مستوى العيش والدخل فيها وارتفاع نسب التمدرس لأطفالها وتحسن مؤشرات الصحة والتعليم عموما، فإن كل هذه المكتسبات السوسيواقتصادية لم تعطها الحصانة اللازمة ضدّ انحراف أبنائها وجنوحهم.

هذا، وبينت الدراسة أن تدني المستوى الدراسي للوالدين داخل العائلة من العوامل المشجعة على الجنوح حيث أن 77 بالمئة من المستجوبين أبواهم أمّيان، كما بينت أن غياب الأبوين أو أحدهما لا يكون مسؤولا دائما عن انحراف الطفل، حيث تبين أن 78 بالمئة من المستجوبين أبواهم على قيد الحياة ومع ذلك ذهبوا في مسار منحرف، مما يشير إلى أن تواجد الأبوين في محيط الطفل لا يحمي دائما من الانحراف والجنوح.

كما توصلت الدراسة إلى أن علاقة الأطفال المستجوبين بالمدرسة ليست في أفضل حال، إذ أن نسبة المنقطعين منهم تناهز حوالي 54 بالمئة بينما لا تتجاوز نسبة المتمدرسين 46 بالمئة فحسب، و لا تتعدى نسبة الراغبين في العودة إلى المدرسة بعد المغادرة 39.2 بالمئة من مجموع العينة، وهذا ما يعكس خطورة ظاهرة الانقطاع المبكر عن التعليم في أوساط الطفولة بالبلاد التونسية ما أثر على عدد هام من هؤلاء الأطفال وحملهم على الذهاب في المسار الإنحرافي.

وتتجه الأفعال المجرّمة أو الجزائية التي قام بها الأطفال أكثر إلى السرقة بنسبة تناهز 44.6 بالمئة، وجرائم العنف بنسبة 22.3 بالمئة، والاستغلال الجنسي بنسبة 8.4 بالمئة، والمخدرات بنسبة 6.2 بالمئة، ويحافظ العائدون منهم على ترتيب هذه الأعمال تقريبا التي دخلوا من أجلها لأول مرة إلى مركز الإصلاح.

أغلب الأسباب التي تدفع الفتيات إلى الجنوح تتمثل في العنف ضدهن والتمييز بين الجنسين داخل الأسرة

وشددت الدراسة على أن ذلك يعكس دور التهميش الاقتصادي والاضطراب الأسري وفشل المؤسسة الإصلاحية في إنجاح عملية الإصلاح عند ولوجها أول مرة من قبل الطفل.

وقالت الدراسة إن الأطفال الجانحين تشكلت لديهم بمراكز إيداعهم تمثلات وتصورات اجتماعية تعبر بدقة عن وضعيتهم القلقة والمضطربة فانعكس ذلك سلبا على مواقفهم من بعض الظواهر مثل الهجرة السرية التي اعتبرها 56.1 بالمئة منهم حلا لضمان المستقبل بعد المغادرة، واللافت أيضا أن أغلب المؤيدين لهذا الرأي هم من الإناث بنسبة ناهزت 63.3 بالمئة. ونبهت إلى أن حوالي 77.6 بالمئة من المستجوبين هم من رواد مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت وأن نسبة 69 بالمئة منهم من رواد المواقع الإباحية، بينما رفض 63 بالمئة من المستجوبين الربط بين الإدمان على هذه المواقع الاجتماعية وتنامي السلوك الجانح لدى الطفل.

كما حذرت من ظاهرة العود حيث أظهرت أن نسبة العود تحتل تقريبا الثلث بحوالي 29 بالمئة من الأطفال الجانحين المودعين بمراكز الإصلاح وتتوزع إلى 78.3 بالمئة من جنس الذكور و21.7 بالمئة من جنس الإناث، وتتمركز في أغلبها في الشريحة العمرية التي تتراوح بين 16 و17 سنة التي تستحوذ لوحدها على نسبة 94.5 بالمئة من مجموع العائدين.

وأشارت الدراسة إلى أنه على الرغم من قيام شبكة المراكز المهتمة بظاهرة الجنوح في أوساط الطفولة إيواء وتأطيرا بدور أساسي ومركزي في محاولة استيعاب الظاهرة والحد من تفاقمها و تفشيها وإدماجها في النسيج الاجتماعي إلا أنها تبقى تعاني من إخلالات ووهن يشق قدراتها المادية والبشرية، يمنعان تحقيق أهدافها وإنجاز أدوارها.

ومن جهة أخرى كشفت دراسة عن الوضع النفسي للأطفال (ذكورا وإناثا) في مراكز التأهيل والرعاية في الأردن، أن أكثر من 23 بالمئة من الأحداث فكَّروا في الانتحار، وأنَّ نحو 87 بالمئة منهم يعانون من الاكتئاب الشديد، و64 بالمئة تعرضوا لصدمات نفسية عنيفة، وقالت إن 64 بالمئة من الأحداث مرتكبي الجنح والمخالفات لأول مرة هم من طلبة المدارس.

وحذرت جمعية معهد تضامن النساء الأردني “تضامن” من ارتفاع نسب جرائم القتل وجرائم الاغتصاب والتي يرتكبها الأحداث، وقالت إن الفتيات الجانحات واللاتي هن في نزاع مع القانون لأول مرة في حياتهن، هن فتيات لا يشكلن خطرا كبيرا على الغير ولا يمكن وصفهن بالعنيفات، إلا أن احتياجاتهن ومتطلباتهن الشخصية عالية وتختلف كثيرا عن احتياجات الأحداث الذكور مما يستدعي تلبيتها من خلال أنظمة عدالة جنائية للأحداث تتفهم خصوصيتهن وتتيقن من أسباب جنوحهن وتعمل على إنهائها وتعيد إدماجهن في المجتمع.

وأشارت إلى أن أغلب الأسباب التي تدفع الفتيات إلى الجنوح وبالتالي تشملها أنظمة العدالة الجنائية للأحداث، تتمثل في العنف ضدهن والإهمال والتعرض للصدمات النفسية الناتجة عن العنف، والمشاكل الجسدية والعقلية، والخلافات الأسرية والتمييز بين الجنسين داخل الأسرة، والاعتداءات الجنسية والحمل، والفشل في التحصيل العلمي والتهرب من المدارس، ومنها أيضا ما تعلق بالبيئة المحيطة للسكن ورفيقات السوء.

21